الخميس، 7 يناير 2010

محرم وضرورة تقييم الموسم

إن إحياء شعيرة عاشوراء في البحرين واجب ديني ، و تقليد جماهيري دأب عليه أهل البحرين من الشيعة منذ مئات السنين ، ولطالما كان هذا الموسم مميزاً في هذه الأرض لأنه مساحة زمنية لظهور الولاء الكامن في هذا الشعب المؤمن بالقضية الحسينية على أنها تجسد الإسلام بكل مبادئه وقيمه . في هذا الموسم بالتحديد تتدفق سيول من الحشود البشرية كل يوم للمآتم والمواكب لتعلن بيعتها للحسين عليه السلام ، ووقفة منا أمام هذه الظاهرة الحاشدة ألتقط جانباً أحب أن أتناوله بالحديث عنه وأضمنه دعوة صادقة لحفظ هذا التراث الثر في عدة محاور أسأل الله أن يمدني بلطف عنايته لإيصال الفكرة للقارئ العزيز .

المحور الأول : ضرورة الأرشفة
بحسب تعاملي مع تاريخ البحرين على مدى سنوات بين المخطوطات والوثائق أستطيع أن أجزم أن شعب البحرين أضاع كماً هائلاً من تراثه بسبب إهماله وبسبب عدم معرفته بأهمية التوثيق وضرورته فلقد ساهم بشكل ساذج في ضياع معلومات مهمة هو اليوم بأمس الحاجة إليها ، بسبب الإهمال وبسبب الجهل بأهمية الشئ الذي يمتلكه ، ففي كل قرية يعود الموسم الثمين علينا في كل عام . فكم عدد المآتم والحسينيات في البحرين ؟ ، وكم من خطيب يرتقي المنبر فلو افترضنا أن البحرين بها 300 حسينية معنى ذلك أن هناك 600 مجلس حسيني في اليوم الواحد حيث تكون القراءة ليلاً ونهاراً بمعنى أنه خلال عشرة أيام يتحصل لدينا مايقارب من 6000 مجلس حسيني خلال موسم واحد مع أن عدد الحسينيات أكثر والموسم يمتد لأكثر من ستين يوماً خلال شهرين بمعنى أن هناك أرقاماً ستزداد أمامها الأصفار ولكن لو انتهى الموسم نقول كم مجلس حسيني تم تسجيله إنه يؤرخ لتاريخ المأتم ويؤرخ لشخصيات الخطباء ويؤرخ لتاريخ البحرين والأهم من ذلك إنه يؤرخ حالة دينية وشعيرة مهمة ، كل هذه التأريخات تذهب أدراج الرياح ويمر الموسم وكأنه لم يمر فكم قيمة جهاز التسجيل أمام القيمة المعرفية لهذا الموسم وكم قيمة كاميرا الفيديو أمام حفظ المعارف التي يلقيها جماعة لا بأس بهم من رواد المنابر والعلماء الذين ينالهم التعب في تحضير هذه المحاضرات وتدوينها وبعد ذلك ترى أنه لا يوجد أدنى استفادة من هذا الموسم فالخطيب ألقى المحاضرة وانتهى كل شئ ، في بعض المآتم والحسينيات كانوا يقومون بتشغيل شريط فيديو مضى عليه أكثر من عشرين عاماً لقد عاد بذاكرتهم مع ذلك الخطيب ورأوا كيف كانت المواضيع التي يطرحها أساساً لهم اليوم وكيف شكلت وكونت أفكار أهل تلك القرية وساهمت في تشكيلة الوعي عندهم ، من جانب آخر كانت الكاميرا تمر على الكثير من الوجوه التي فارقت القرية للعالم الآخر وبعض الوجوه التي كانت صغيرة آنذاك . كانت ذكريات مهمة بالنسبة للكثير إنها مسؤولية إدارات المآتم التي تهمل هذا الجانب وهي لا تعلم أنها تقبر تاريخها وتاريخ قريتها رغم قدرتها على حفظه بثمن بخس ، وليس الموكب بأفضل حظاً من الحسينية والمنبر فقد عانيت كباحث في مجال الموكب لأن الكثير من القصائد والأطوار والألحان لم تكن موثقة ومؤرشفة وبالتالي ضاعت حقبة مهمة في تاريخ الموكب بسبب عدم الأرشفة والتدوين ، إنها أيضاً مسؤولية أصحاب المواكب وإدارات المآتم في حفظ هذه الأمور حتى لا يضيع تاريخ أمة محبة للحسين عاشت على هذه الأرض . وأدعو لوجود أرشيف في كل حسينية من حسينيات البحرين يحتوي على تسجيلات بالصوت والصورة للمحاضرات طوال العام وبالخصوص موسم محرم وموسم شهر رمضان المبارك بغض النظر عن مستوى الخطيب ، كما لابد أن يكون لدينا أرشيف خاص بالصور والصوتيات للمواكب وباقي الفعاليات التي تقام في هذه المواسم فلو كنا نمتلك ثقافة الأرشفة لما ضاعت علينا الكثير من الأمور المهمة في تاريخنا .

المحور الثاني : ضرورة التقييم :

لست بحاجة ان أتحدث عن حاجة المؤسسات وحاجة الشخصيات لمسألة النقد والإنتقاد حيث أثبت العلماء أنه حاجة فطرية للإنسان . والتقييم لكل عمل هو ماتقوم به كبريات الشركات والمؤسسات الإقتصادية والدول والمؤسسات الحكومية وذلك بالهدف الأول للحفاظ على وجودها كمؤسسة قائمة . بعد هذه المقدمة أود أن أتحدث عن ضرورة التقييم لأداء كل موسم من المواسم . نحن في شهر محرم وموسم عاشوراء ننفق الملايين من الدنانير فهناك جانب اقتصادي له علاقة بهذه الطائفة لو قيمناه لوصلنا لنتائج مهمة وكبيرة وطبعاً هذا الأمر يرجع للمحور الأول وهو ضرورة الأرشفة لنعود لنتائج اقرب للصحة ويتشكل لدينا أساس مهم لدراسات مستقبلية مع هذا الموسم المهم ، من جانب آخر نحن بهذا لتقييم نرتقي لأداء أفضل فعلى صعيد المنبر مثلاً لو أدرك الخطيب أن هناك من يقيم موضوعه أليس هذا يدخل في تحسين مستوى أدائه ولكنه لو علم أن الأمر لا يقيم فهو يساهم في خفض مستوى الأداء ، وكما أنوه أنه لابد أن يكون التقييم بشكل يحفظ فيه مكانة وكرامة الشخصيات وعدم توهينها حتى لا نقع في المحذورات الشرعية ، ألا ينبغي أن تقيم القصائد في مواكبنا حتى نعرف مدى قوتها وضعفها وهل كان المستمع والمتلقي يتفاعل ذهنياً معها أم لا ؟ ألا ينبغي أن نقيم عشرات الرواديد ؟ فكم من قصيدة تلقى ؟ فهناك عشرات المواكب في قرى البحرين وأكثرها تستهلك قصائد جديدة بمعنى أنها تستهلك شعراء ومواهب وطاقات وهناك ألحان يمتعض منها بعض المعزين وهناك أمور بحاجة لاستبدالها ولكن نفتقد التقييم الحقيقي القائم على أسس سليمة في البناء فلو وجد التقييم والنقد الحقيقي لأرتقينا بإدارات مآتمنا وارتقينا بمواكبنا وارتقينا بفنون شعرنا وغير ذلك فهل عرفنا قيمة التقييم ؟ في هذا المحور أدعو لوجود استبيانات تشكل حالة من التقييم للخطباء وأداء الإدارات وأداء الرواديد وإبداء الملاحظات وأخذها بعين الإعتبار بعيداً عن المجاملات ، حتى تثمر مواسمنا بشكل أكبر وترتقي بشكل أفضل .

المحور الثالث : ضرورة العودة للإمام الحسين عليه السلام .


هذه الضرورة هي الضرورة الأولى ولكن أخرت الحديث عنها لأنها الأكثر هموماً وتشعباً ، أليس من المفترض أن هذا الموسم هو موسم الحسين ؟ ولكن تتفق معي قارئي العزيز أننا بحاجة أن نكون حسينيين في هذا الموسم وخارجه للأسف أصبحت هناك بعض الظواهر الدخيلة على مجتمعاتنا كانت الأكثر حضورا في موسم محرم كتبرج الفتيات وخروجهن بكامل زينتهن . إنهن يفسدن موسمنا ويحطمن كل جنبة رسالية في الموسم حتى أصبح موسم محرم موسماً للمغازلات ومجالاً للفساد بعد أن كان الحسين عليه السلام يقول ( إنما خرجت لطلب الإصلاح ) كلا إن هذه الظاهرة لا تمثل موسمنا ولا تمثل مذهبنا ولا تمثل حسين القيم والمبادئ . أمر آخر هو كثرة الصراعات في الموسم ، إن موسم محرم هو موسم إلتقاء للحشود والآلاف من كل أنحاء البحرين ولا ينبغي أن تهدر قيمته بنزاعات وصراعات تفوت علينا الإستفادة من نمير سيد الشهداء حتى ننشغل بتوافه الأمور بين صراع الخطوط والسياسات وبين مشاحنات وصراعات قديمة تعاود لتطفو على السطح ويستثمر هذا الموسم لإذكاء شرارتها من جديد فلو كنا حسينيين بالفعل لما سمحنا لمن يريد أن يشعل فتيل الفتنة أن يستخدم هذا الموسم لإشعالها ( الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ) ، وفي تصوري أننا بحاجة لثقافة الحسين نثقف أنفسنا كيف نكون حسينيين وكيف نجعل من قيم الحسين هي المحرك لنا ولمواسمنا قبل الدخول للموسم في كل عام . فعلى العلماء أن يقوموا بمواسم تهيئة لإستقبال شهر محرم الحرام كما نصنع مع شهر رمضان المبارك تهيئة على المستوى الروحي والثقافي والأخلاقي حتى يعود علينا الموسم بالنفع بشكل أكبر . والحمد لله رب العالمين

بقلم : بشار العالي
في 20 محرم 1431هـ