الثلاثاء، 26 يناير 2010

الحنينية في ذاكرة البحرين

نبذة تعريفية :

الحنينية ، عين ماء- بئر- ،و واد يقع في الرفاعين من جهة الرفاع الشرقي واسم لموقعة أيضاً . وتعتبر عين الحنينية إحدى أشهر عيون الماء في البحرين فهي تأتي بعد عين عذاري ، وقصّاري من حيث الشهرة ، وإحدى ثلاث عيون مشهورة في تلك الناحية وهي عين أم غويفة وعين العتيقة ، وكان ماؤها عذب بحيث يضرب فيه المثل لشدة عذوبته في البحرين فيقال ( كأنه ماي حنيني ) ويمكن أن يقال أن ماءها من أعذب مياه البحرين . وأما الوادي المجاور لها من جهة الجنوب وتطل عليه قلعة الرفاع فهو واد جميل إلا أنه يعتبر من المناطق الممنوعة تقريباً ولا يحتوي هذا الوادي على أي مواقع أثرية بحسب المسح الذي أجرته الكثير من البعثات في البحرين وهو واد صحراوي تكثر فيه أشجار العوسج ولا يرتاده إلا القليل سوى القاطنين في الرفاع . ويضم بعض المنشآت النفطية وناد رياضي .
الماء الحنيني في ذاكرة المنامة :
حكى لي أكثر من رجل من كبار السن ان جماعة من العمانيين وبعض القاطنين في الرفاع كان يمتهن مهنة نقل الماء والمعروف قديماً بالسقّاي ، وكانوا يحملونه على البغال والحمير ليوصلوه لأهل المنامة وكان المشرب المفضل عند علية القوم وحتى بقية الناس لكونه أعذب مياه البحرين

في كتب التاريخ والمصادر :

1- لعل أقدم مصدر ذكر هذه العين في المصادر التاريخية يرجع للعام 1604م للرحالة البرتغالي [ بيدرو تنهسيرا] حيث يقول في وصفه للبحرين : ( وتوجد آبار في البحرين ولكن أغلبها ليس عذباً ، ومع ذلك يصلح ماؤها للشرب ، وأحسن هذه الآبار الحنينية ، وهذا البئر عميق ويقع في وسط الجزيرة ، وتأتي بعده في الجودة تلك الينابيع التي تتواجد تحت سطح البحر .. ) ويلاحظ على كلامه حصره عين الحنينية كأفضل ماء عذب في بر البحرين وهذا الكلام صحيح حيث كان هذا الماء يطلب ويصل حتى أهل المنامة فإن العوائل المرفهة منهم يجعلونه منهلهم الأول . ولا شك إن بئر الحنينية أو عين الحنينية تعود لتاريخ أقدم من هذه السنوات بكثير فلهذه العين وجود قبل قدوم الأسرة الخليفية للرفاع واستيطانهم فيها .

2- وذكرها النبهاني في كتابه [ التحفة النبهانية ] في ذكره للمدينة الرابعة _ بحسب تصنيفه _ وهي الرفاع فقال مانصّه : ( وشرب أهله من أربعة آبار ثلاثة منها جهة الجنوب في الروضة ، وهي من حفر الأقدمين ، والرابعة جهة الشمال وتسمى الحنينية المشهورة بالعذوبة ، والآمر بحفرها الشيخ سلمان بن أحمد _ المذكور _ ( ابن احمد الفاتح ) وعمقها نحو ثمانية أبوع . وأوقف عليها نخلاً لتعميرها ولإظهار الماء منها إلى بركة بحذائها لتستقي منها النساء والفقراء ) .

وذكر في موضع آخر مانصّه : [ وجعل الشيخ سلمان بلدة الرفاع قصبة حكمه وحفر غربي القلعة المذكورة البئر المشهورة ( بالحنينية ) ... ]

الملاحظات على كلامه :

ويلاحظ من هذا الكلام بعض الأمور المهمة وهي :

- إن في الرفاع أربع عيون ماء
- يذكر أن ثلاث من العيون كانت قد حفرها الأقدمون
- يذكر أن عين الحنينية المعروفة قد حفرها الشيخ سلمان بن الشيخ أحمد ، وهذا لا يصح حيث ورد في التقرير السابق الذي ذكرناه أن هذه العين موجودة قبل نزول آل خليفة للبحرين واستيطانهم فيها فقد كانت هذه العين بدرجة من الشهرة لعذوبة مائها ، بحيث ذكرها ( بيدرو تنهسيرا ) في كلامه عن البحرين ، كأبرز عيون الماء في جزيرة البحرين وإلا فالرفاع لم تكن بتلك الشهرة قبل نزول آل خليفة فيها . فكلامه من إن الشيخ سلمان هو الذي حفرها غير صحيح نعم ربما أمر بإصلاح شأن هذه العين لأهميتها بالنسبة للقاطنين في الرفاع ومن حولها . ونفس كلام النبهاني نقله التاجر في كتابه عقد اللآل دون تعليق أو إضافة . ومن ناحية أخرى لا ننسى ان هذه القلعة _ قلعة الرفاع _ هي أقدم من زمن دخول آل خليفة البحرين وبالتالي فالحاجة للماء كانت اقدم بالنسبة لقلعة محصنة فقدم القلعة التي بنيت زمن فرير بن رحال ينبئ عن ان البئر او العين اقدم تاريخياً .
ثم إن التقرير السابق كان في مطلع القرن السابع عشر ، واستقرار الشيخ سلمان بن أحمد في الرفاع كان في القرن التاسع عشر فلاحظ الفرق بين الفترة الزمنية بين الطرفين ولا غرابة فإن صاحب التحفة النبهانية ليس من أهل البحرين وقد دوّن ما أملي عليه دون تحقيق واطلاع .

تعليق ورد في مجلة الوثيقة :

وتحت هذا العنوان وكلام النبهاني لا يفوتني أن أنقل ماجاء في مجلة الوثيقة العدد 55 للعام 2009م / للدكتور علي أبا حسين حول هذه النقطة في كلامه عن الرفاع الشرقي : ( وفيها عين الحنينية ، وماؤها عذب ، وهي عميقة ، وأوقفت هذه العين على جميع الناس وكانت النساء يرتدنها ويسبحن فيها ، ويشرب منها الفقراء .) .
ويلاحظ في كلامه أن عين الحنينية كانت موقوفة ، فلعل الواقف هو الذي قام باستصلاحها على نفقته بعد أن كانت موجودة في الأصل وقام بوقف النخيل على إصلاحها وبالتالي قام بوقف هذا المشروع برمته وإلا فلا وجه للوقفية فيما لايملك ( لأن الوقف فرع الملكية والتصرف ناشئ من قاعدة السلطنة الفقهية ) ، وإلا فكيف يوجه كلام صاحب التحفة النبهانية .
والمستفاد بحسب نقل الدكتور أبا حسين الذي بلا شك أنه اطلع على الوقفية أو نقلها من مصدر موثوق فالدكتور هو الذي يدير قسم الوثائق التاريخية منذ سنوات . نقول أن المستفاد أن عين الحنينية هي وقف لهذا الشعب وللناس جميعاً وليست ملكاً لأحد .

3- وذكرها في قلائد النحرين ، ناصر الخيري ( المتوفى 1925م ) مستطرداً في ضمن حديثه عن الرفاع الشرقي فقال : وبها أبيار ماء الحنيني المشهور بعذوبته ) ولا فرق بين البئر والعين فالمقصود واحد ، ولكن الغريب تعبيره بصفة الجمع في كلمة أبيار ، وربما من باب تغليب عين الحنينية بإسم الوادي الذي لا يبعد أن يكون بالقرب منها غيرها فيأخذون اسمها تغليباً .

4- وذكرها أيضاً الشيخ إبراهيم المبارك في كتابه ( ماضي البحرين وحاضرها ) في ذكر الرفاع الشرقي قال : وفي الرفاعين الحنينية الشهيرة وهما عينان عذبتان ليس في البحرين ولا غيرها من الينابيع الطبيعية عذوبتهما بل هما وماء المطر سيّان .

إقامة متنزه الحنينية :

لقد ضلت عين الحنينية لسنوات طويلة تقدر بأكثر من خمسة عشر عاماً من عامنا هذا 2010م مغلقة ومحاطة بحيث لا يصل لها أحد ،علامة على كونها من الأملاك الخاصة ، وقد شربنا من مائها إلى حوالي أواخر الثمانينات من القرن الماضي حيث كانت متاحة للناس يملؤون منها ما يشاؤون ، ثم أحيطت بسور وبعدها لا نعلم مالأمر ، إلى أن قرأت في جريدة الوطن عن فكرة مشروع إعادة تأهيل العين وقد جاء في الخبر مايلي : أشار رئيس بلدي الجنوبية علي المهندي إلى بدء العمل فعلياً على إعادة تأهيل عين الحنينية وعين أم غويفه والعين العتيقة بالتعاون مع وزارة شئون البلديات والزراعة، حيث من المرجح أن تصبح تلك العيون واجهة سياحية هامة في ديسمبر المقبل تزامناً مع احتفالات البلاد بعيد جلوس جلالة الملك والعيد الوطني. وقال المهندي إن ''تلك العيون الواقعة في وادي الحنينية والرفاع الغربي تعد من العيون التراثية القديمة التي كانت مقصداً لجلب المياه العذبة وتزويد المنازل القريبة والبعيدة، والتي لا تزال تنبع بالمياه العذبة بالرغم من الإهمال التي تعرضت له خلال السنوات الماضية، الأمر الذي سيسهل عملية إعادة تأهيل تلك العيون. وفيما يتعلق بمراحل التأهيل، نوّه المهندي بقيام المجلس البلدي بالتعاون مع وزارة البلديات والمقاول المختص بالمشروع بتصميم خرائط لتنفيذ المشروع وبالشكل القديم لتلك العيون وبما يترجم رغبة جميع المعنيين في تأهيل وترميم تلك العيون دون المساس بتصاميمها الأصلية. وأضاف أن ''المجلس البلدي بالمنطقة الجنوبية حريص على إتمام هذا العمل في وقت قريب والعمل سيتواصل مع المناطق المحيطة بالعيون من حيث تجميلها وإعادة إحيائها بحيث تصبح واجهه ومعالم سياحية هامة في المنطقة الجنوبية''.

بين الوادي والعين معركة الحنينية :

ذكرت في بداية تعريفي بالحنينية أنها بئر أو عين وقد تحدثت عنها ، وهي كذلك واد يقع غربي الرفاع الشرقي ويمتد حتى تخوم سافرة من جهة الغرب ومن جهة الجنوب يمتد بالممشى الجديد وفيه بعض المنشئات النفطية والأنابيب ويرتاده بعض المتنفذين كما أسلفنا ، إلا أن القلعة عند فئة من الناس تعرف أيضاً بقلعة الحنينية نسبة للواد ولكن هذه التسمية غير مشهورة و بين هذه المنطقة وقعت معركة في يوم من الأيام لا يفوتنا أن نذكرها :
تعرف هذه المعركة بـ( وقعة الحنينية ) وقعت بالقرب من العين وكانت في العام 1258هـ ، بحسب نقل صاحب التحفة النبهانية ، وطرفا المعركة هما من آل خليفة والسبب هو كرسي الحكم ، فالطرف الأول هو الشيخ عبد الله بن أحمد الفاتح من آل خليفة وقد كان الحاكم الفعلي للبحرين وهو ثالث حكام آل خليفة تولى الحكم في البلاد في العام 1236هـ بعد وفاة أخيه سلمان بن أحمد ، والطرف الثاني هما الشيخ محمد بن خليفة بن سلمان بن أحمد الفاتح وهو حفيد أخيه ( أي حفيد أخ الحاكم الشيخ عبد الله ) ، وأخوه الشيخ علي بن خليفة ، وبدأت هذه المعارك على أكثر من ناحية من نواحي البحرين منها ( الناصفة ) بالقرب من سند وتعرف بوقعة الناصفة ، و ( وقعة سوق الخميس ) بالقرب من البلاد ، والثالثة هي ( وقعة الحنينية ) وبعدها وقعة ( الساية ) بالمحرق وكل هذه الوقائع في نفس الفترة إنما ميزها تبدل المواقع على جزيرة البحرين وقد وقف بجنب الشيخ محمد بن خليفه أخوه الشيخ علي الذي انتصر عل الشيخ عبد الله في موقعة الحنينية وتمكنا من هزيمة عم أبيهم الحاكم الشيخ عبد الله وانتزعا الحكم منه بعد أن استعانا بالعتوب من آل بن علي المتواجدين في جزيرة قيس ( كيش ) حالياً واستعانا بقبيلة النعيم وآل بوكوارة والجلاهمة حيث اجتمعوا على الحاكم الشيخ عبد الله فانهزم من أمامهم ، وتولى الشيخ محمد بن خليفة مقاليد الحكم كحاكم رابع من عائلة آل خليفة وقد قتل في هذه المواقع جماعة من آل خليفة ذكرهم النبهاني في التحفة ، وذكر النبهاني أيضاً من أرخ لهذه الحادثة بقوله ( شر نحر شر ) أي في العام 1258هـ ، أما الحاكم الشيخ عبد الله فقد خرج من البحرين ومات بمسقط وكانت مدة حكمه 22 عاماً .

المصادر والمراجع :


- عقد اللآل في تاريخ أوال : 42
- مجلة الوثيقة العدد 55 : 63
- التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية : 47 ، 98 ، 108 .
- قلائد النحرين في تاريخ البحرين : 435
- ماضي البحرين وحاضرها للشيخ إبراهيم المبارك .
- جريدة الوطن العدد :1342 بتاريخ 13 – 8 -- 2009 .
وكتب بيمينه
بشار عبد الهادي عيسى العالي البحراني

الأربعاء، 20 يناير 2010

البحرين تودّع الشيخ حسن الباقري

ارتحل عن الدنيا الفانية في يوم الأربعاء الموافق 4 صفر من العام 1431هـ ، 20 يناير 2010م ، خادم الإمام الحسين الخطيب العلامة الشيخ حسن بن الشيخ علي الديهي ( الباقري ) البحراني ،من مواليد الديه العام 1931م، أخذ الخطابة عن والده وكان ذا سمعة خطابية متقدمة ، ونقل أحد معاصريه أنه بدأ تعلم الخطابة وله اثنا عشر عاماً ، ثم تتلمذ في البحرين وأخذ بعض المقدمات فيها في مدرسة الشيخ عبد الحسن آل طفل الجدحفصي كأحد التلامذة ومن ثم كأحد المدرسين، وهاجر للنجف لتحصيل العلوم الدينية حيث نقل عنه اقرانه أنه كان من المحصلين المجدين في طلب العلم ، ويعتبر الشيخ الباقري من تيار الخطابة التجديدي الذي اهتم بطرح الرؤى والأفكار المعاصرة والدفاع عن العقيدة والفكر الإسلامي وهو أحد أساتذة المنبر الحسيني الخطابي وروّاده الذين أثروه خلال عقود مضت قضاها في خدمة المنبر الحسيني وتبليغ رسالته ، ومن غريب الموافقات إن و فاته كانت قبل ذكرى وفاة الإمام الحسن المجتبى بيومين وهو نفس التاريخ الهجري الذي نوفي فيه والده أيضاً كما أخبرني بعض ذويه من أهل قريته ، وهذه أبيات من الشعر قلتها في يوم وفاته :

إن دمع العين أوهى ناظري * وهو ينعى بالخطيب الباقري
شيخنا رزؤك أردى خاطري * ماتوهمتك نعشاً ياهمامْ
عدت من ذكراك تهوى النجفا* حينما صليت في فرض الوفا
جارك المولى علي وكفى* فهنيئاً لك في دار السلامْ
حن وادي المرتضى يبكي عليك * حيـنما مدّ أياديه إليك
وعليٌ إسمه في مقلتيك* دمعة رقراقةٌ تحوي المرامْ
عد إلى الرضوان في جنب الأمير* من يديه سوف يسقيك الغدير
إنـه خير ولـي ونصير* لم يزل يرعاك مابين الزحامْ
إنها البحرين تنعى فخرها* خادم الزهراء من قد برها
بث حب الآل أذكى جمرها* صادحاً في حبها بين الظلامْ
حسنٌ أنت وفي عين الحسن * من كريم الآل وهو المؤتمن
من قراه حيث لا تلقى الحزن * كيف وهو الجود من آلٍ كرامْ
وعلى المنبر كنت الأسدا* تقرأ النعي فتبكي أحمدا
أيها الشيخ فما ضاعت سدى * ذخرك الدمعات من عام لعام ْ
( مدنً ) تبكي أسىً أعوادهُ * في انتظار ترتجي روادهُ
ياخطـيباً هـذه أورادهُ * أحيت الموتى وتشفي للسقامْ
لم يخب والله من رام الحسين * أو بكى العباس مقطوع اليدين
أو بكى الحوراء بنت النيرين * واغتدى من كربلا ينعى الإمامْ
سوف يلقاك حسين في الجنانْ * وطن الآل وآفاق الأمانْ
فهنيئاً لك في هذا الضمان * عند أهل البيت يانعم المقامْ
شيخنا تبكيك بالدمع العيون * عد إلى الرضوان يا قلب الحنون
حيث لا خوف ولا هم يحزنون * وغداً نلقاك في يوم القيامْ

تمت في 4 صفر 1431هـ
وكتبها بشار عبد الهادي العالي البحراني

السبت، 16 يناير 2010

الأنفاس الحسينية عند الشيخ حسين آل عصفور

الشيخ حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم آل عصفور الشهيد في تاريخ 21 شوال من العام 1216هـ ، المصادف 24 فبراير 1802م، والمدفون في قرية الشاخورة ، كانت هذه الشخصية ولا زالت تحتل مقاماً رفيعاً في ذاكرة ووجدان الشعب البحراني لأنه جزء لا يتجزأ من هذه الأرض ، وهذه الجزئية مرتبطة بكونه مرجع البحرين وفقيهها المقدم وصاحب الرأي فيها ، وأحد الذين ركزوا عقيدة أهل البيت عليهم السلام وثبتوا محبتهم في قلوب الناس عبر الكثير من مساهماته في خدمة المذهب فكان حقاً المصداق لما ورد في روايات الأئمة (ع) ففي قول الإمام موسى بن جعفر عليه السلام : ( فقيه واحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا ، بتعليم ماهو محتاج إليه ، أشد على إبليس من ألف عابد ... )([1]) ، وفي قول الإمام الحسين صلوات الله عليه : ( فضل كافل يتيم آل محمد ، المنقطع عن مواليه الناشب في رتبة الجهل ، يخرجه من جهله ، ويوضح له ما اشتبه عليه ، على فضل كافل يتيم يطعمه ويسقيه ، كفضل الشمس على السها )([2]) فيتبين من خلال هذه الروايات وأشباهها أن المراد من كافل اليتيم هم الفقهاء وأن المراد من اليتيم هم الأفراد والمسلمون ، بل صرفها بعض شرّاح الكافي([3]) الشريف بالشيعة دون غيرهم وهو الظاهر من النسبة للآل ، ولأن وظيفة الفقيه هو إرشاد هؤلاء التائهين عن دروب الحق وإيصالهم لحقائق الدين وتعريفهم بالأئمة صلوات الله عليهم .

لقد ركّز الفقيه البحراني الشيخ حسين الذي هو أحد الكافلين لأيتام آل محمد صلى الله عليه وآله لعقيدة أهل البيت عليهم السلام على مستويين مهمين في البحرين :

المستوى الأول : هو المستوى النظري ، ويتمثل في تأليفاته القيّمة التي ركزت عقيدة الإمامة ومذهب أهل البيت عليهم السلام ومنها على سبيل المثال :

1- كتاب محاسن الإعتقاد ، وهو كتاب مرتب على مباحث المتكلمين ، يذكر أنه كتب كمقدمة لكتابه وموسعته القيمة كتاب السداد ، وهذا الأسلوب مهم في دمج الكتاب العقدي مع البرنامج الفقهي والرسالة العملية للمكلفين فكما أنهم ينهلون الجانب الفقهي ويتعلمون الأحكام الشرعية من الفقيه فهم كذلك يأخذون المسائل العقدية فهي لا تقل أهمية عن المسائل العقدية إن لم تكن أكبر أهمية منها ، وفي هذا التأليف ركز الشيخ على بيان معتقدات الشيعة الإمامية في التوحيد والنبوة والإمامة رابطاً لهذه المباحث المهمة بما يتصل بروايات أهل البيت صلوات الله عليهم . وقد طبع هذا الكتاب وللأسف بعد حذف بعض المطالب فيه ، ليكون أكثر مناسبة مع الرأي العام السائد وهذا يعتبر تحريفاً ، فلنقرأ الشخص كما هو بآرائه ومعتقداته لا أن نخضعه لآرائنا وظروف زماننا .
2- منظومة ( شارحة الصدور ) وهي منظومة راقية في أصول الدين ، على مذاق فقهاء الإمامية جمع فيها بين النقل ، والعقل ، ونقل لي بعض حفدته أنه رأى شرحاً لها لأحد أحفاده أو أولاده من العلماء في ( بوشهر ) والله تعالى العالم. وقد قام بتحقيها وطبعها سماحة الشيخ سعيد بن عباس العصفور الدرازي . وهي لون آخر من تركيز الجانب العقائدي في فكر هذا الرجل الفقيه .
3- كتاب ( القول الشارح والحجة فيما ورد عمن هو على العباد حجة ) وهو كتاب قيم فعلاً في المجال العقائدي وقد طبع بتحقيق حفيده الشيخ حسن بن الشيخ أحمد العصفور ، ولم يطبع كاملاً فالمطبوع هو الجزء الأول ، وفيه عدة مسالك استدلالية في التوحيد ، ومباحث مهمة في الصفات ، وأسماء الله الحسنى ذكر فيه جملة من مسالك الحكماء ، لا يفوته أن يشرّبها بأقوال المعصومين عليهم السلام ، كما ضمّنه شرح أسماء الله الحسنى وما يتعلق بها من مطالب عقائدية مهمة .
فهذه التأليفات لا شك أنها تحفظ جانباً كبيراً من العقيدة على المستوى النظري لا سيما أن بعض مباحثها هي أسس في الفكر الشيعي كمسألة نفي التجسيم ، ومسألة رؤية الله جل وعلا ، وقد ترك مشربه الأخباري أثره في تصانيفه الشريفة فلا يفتأ يطعمها بأحاديث الأئمة المعصومين وبإعتباره المرجع المشار إليه في البحرين فلاشك أن هذه التأليفات تركت أثراً في ذلك الزمان أي القرن الثاني عشر وبدايات القرن الثالث عشر الهجريين على مستوى المدارس والحوزات بإعتباره المرجع المهيمن على كرسي التدريس والرأي والمرجعية على مستوى المكلفين أيضاً وهو ماحفظ المدرسة الإمامية أمام الكثير من التجاذبات في تلك الأزمنة .

المستوى الثاني : الجانب العملي ، لقد كان الشيخ حسين العلامة يتمتع بنوع خاص من فن الإدارة إن صح التعبير ففي زمن تغيب فيه المؤسسة بمعناها الحاضر كان يمارس لوناً قل نظيره من فن إدارة البلاد على المستوى الديني وحتى السياسي فقد كانت البحرين بشعبها الشيعي مثالاً رائعاً للإنقياد للزعامات الدينية وربما يرجع هذا لفكرة الإمامة ووجوبها في الفكر الإمامي منذ زمن الأئمة الذين أمروا الناس وشيعتهم بالرجوع للفقهاء العدول الحائزين على مراتب الورع والتدين .
فكان الشيخ يدير حوزته العلمية في قرية الشاخورة بدروسه التي تعج بطلبة العلوم الدينية ، ومن هناك يدير شؤون الفتيا والقضاء ، كما كان يوزع تلامذته على أنحاء البحرين وقراها كأئمة للجماعة والجمعة وهو ما يستفاد من بعض المخطوطات والإجازات الراجعة لتلك الحقبة المهمة التي تزامنت مع دخول آل خليفة حكام البحرين الحاليين واستيطانهم جزيرة أوال زمن الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة الملقب بالفاتح وابنه الشيخ سلمان فقد كانت مرجعيته في تلك الفترة في أوجها قبل أن يحتل البحرين العمانيون .

لقد كان لشخصية الشيخ حسين ثقلاً في حفظ الكيان الشيعي في البحرين فهو الفقيه المحافظ على حياض الشرع فقهاً وعقيدة . ولا شك فإن هذا له بالغ الأثر في تكوين ثقافة معينة لدى الشعب البحراني آنذاك ، وحتى لو تأملنا لختمه الشريف الذي كان يمثل مثابة توقيع بمفهومنا الحالي فقد اختار حديثاً نبوياً في شأن المولى ابي عبد الله الحسين عليه السلام فختمه الشريف هو ( قال محمد حسين مني ) وهو إشارة لقول النبي صلى الله عليه وآله : ( حسين مني وأنا من حسين ) مما يكرس لحال المحبة والفناء في شخصية الحسين سلام الله عليه ، ولنأخذ بعض الأمثلة في هذا الجانب العملي في فكر وشخصية الشيخ حسين ومدى علاقته بالإمام الحسين صلوات الله عليه :

المثال الأول : الفقيه الذي يلقن تلامذته محبة الحسين ، نقل أكثر من مصدر أن الشيخ حسين كان لا يبدأ درسه إلا بعد قراءة التعزية على سيد الشهداء وقراءة المرثية ثم يشرع في درسه . إن هذه الفكرة لتركز على تلقين هذه العقيدة في نفوس تلامذته الذين تسلموا المرجعية من بعده فكانت واضحة فيهم ، ولا شك أن لها ظهوراً في العلماء فضلاً على العوام من الناس الذين استقرت في نفوسهم المحبة الحسينية .

المثال الثاني : كثرة تأليفاته في الشأن الحسيني ، كانت تأليفات الشيخ حسين في الإمام الحسين عليه السلام تمثل منعطفاً مهماً لا يمكن إهماله في دراسة واقع الحركة الحسينية وتأثيراتها على الهوية البحرانية فقد ألف نوعاً من المؤلفات لتقرأ في المناسبات على حسب ورودها في التاريخ على مدى العام فمثلاً ألف كتاب الفوادح أو ( تهذيب الفوادح الحسينية ) على طريقة كتاب الفخري المعروف والذي يشمل سيرة الحسين ومقتله ليقرأ في الليالي والأيام في محرم الحرام كمجالس يجتمع المؤمنون ويتلونها تتضمن الروايات والأشعار بأسلوب أدبي شيق يحفز الأفئدة المتطلعة لنافذة الولاية ويجرها لحريم الحضرة الحسينية فتجوب في رحاب الحسين مما يمثل لها انشداداً نحو أبي عبد الله صلوات الله عليه ، فكانت تلك المجالس المكتوبة تقرأ في أيام وليالي شهر محرم سيما العشرة الأيام الأول ، وكتب أيضاً في سيرة الحسين كتاب يعرف لليوم بكتاب ( المراحل ) وهو يتحدث عن مسير عائلة الحسين حتى وصولهم للمدينة بعد حادثة كربلاء المفجعة وهو يتلى لأربعين الحسين عليه السلام . ومازال أهل البحرين حتى يومنا يعتبرون هذين الكتابين أحد أهم الكتب في إحياء ذكر أبي عبد الله الحسين حيث يتلى في الحسينيات قبل قراءة الخطيب الحسيني .
ومما جاء في كتاب الفوادح أو تهذيب الفوادح مثلاً قوله رحمه الله : [ فاقتدوا عباد الله بملائكته المقربين ، وانصروه في هذه الدار بالبكاء والحنين ، فإنه قائم مقام الجهاد بين يدي سيد المرسلين ، ولا تصرفوا جواهر هذه الأعمار والدر الثمين ، في غير خدمتهم وطاعة رب العالمين ، واعلموا أن في ذلك كمال الإيمان والدين ] ([4]) . فأمثال هذه الكلمات بسجعها تركت في الوجدان البحراني ذكريات مع كربلاء حفرتها أنامل هذه الشخصية التي ربطت الناس بأهل البيت صلوات الله عليهم وبالحسين عليه السلام .
وللشيخ حسين رحمه الله كتاب آخر اسمه ( مريق الدموع في ليالي الأسبوع ) جعله ليقرأ في كل ليلة من ليالي الأسبوع وهو مجالس مختصرة صاغها في قوالب أدبية رائعة يقول رحمه الله في [ فمزّقوا الأطمار على هذه المصيبة التي كُورت لها شمس النهار ، واسكبوا المدامع الغزار وخدّدوا الخدود بالخدود والأنهار وواروا في قلوبكم تلك الجمار، إن كنتم من الشيعة الأبرار ]([5]) فهذه الكلمات التي يعقب بها بعد ذكر رواية أو خبر في شأن الحسين عليه السلام ،تمثل حالة من التهييج للمشاعر وحثها بحماسة لربطها بمصيبة الحسين كما تمثل حالة من الإثارة وهي مشحونة بالولاء والمحبة والعاطفة للحسين عليه السلام . ويقول في مجلس ليلة الإثنين : [ في الليلة الثالثة من الإسبوع وهي ليلة الإثنين وفيها قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقبض فيها كل إمام وشهيد فمن تبرك بهذا اليوم كان شريكاً لقاتلهم ، وفي بعض الأخبار أن فيه مقتل الحسين عليه السلام ، فيحق لنا أن نتخذه مأتماً مدة الأعمار والسنين كما اتخذوه عليهم السلام ، ومنعوا فيه التبرك ، وجعلوا الصائم فيه شريك ابن مرجانه ، فصبوا فيه المدامع الهتّانة ، وأعلنوا فيه بالنياحة المعلنة وضجّوا ضجيج الثواكل ، وتذكروا خلو تلك الربوع والمنازل ، لعلكم تشاركوهم في تلك الخصال ، وتقيمون ببعض ما أوجبه عليكم الملك المتعال ...]([6]) ، فإنه يحاول دمج المستمع لهذه المجالس بفحوى خطابات الأئمة الطاهرين ورواياتهم من احترام وتقديس الأيام المتصلة بالأئمة ، وهو ماتحوّل في المجتمع البحراني تدريجياً لملامح ولائية وارتباط بشخصيات أهل البيت والإمام الحسين عليه السلام . ويقول : [ فشمّروا الأذيال ، واتخذوا العزاء واسهروا جنح الليالي ، واجعلوا الأحزان من شعاركم فإنه من أعظم الأعمال ، ولا تبخلوا بدموع أهرقتموها على المنازل والأطلال ، وليس بنافع لكم في العقبى والمآل ...]([7]) ، فكانت لهذه الأدبيات بالغ الأثر في تشكيل وتركيبة عقلية الناس ونسج أفكارهم بمحبة أهل البيت ومحبة إقامة مجالسهم والمحافظة عليها وذرف الدموع لعظيم مصابهم وجليل ماوقع عليهم .
فكانت كل ليلة من ليالي الأسبوع تمثل حضوراً لهذه الشخصية في مجالس أهل البحرين يذكرهم بالإمام الحسين عليه السلام وربما كان للشيخ حسين العصفور حضوراً تأسيسياً لمجالس العادة المشتهرة في البحرين إلى يومنا وهي أن تقام مجالس التعزية بشكل يتوزع على الليالي والأيام في الحسينيات فيكون مثلاً يوم الجمعة مخصص بعائلة فلان يقيمون مجلسهم الحسيني ويوم الأربعاء في منزل فلان أو الحسينية الفلانية فهي عادة قديمة دأب عليها أهل البحرين ، وأستطيع الجزم بأن ذكر الحسين عليه السلام لا ينقطع طوال أيام العام من البحرين بهذه المجالس بل حتى أيام العيد أيضاً هناك مجالس تقام في بعض القرى ، وهناك مآتم وحسينيات تقرأ مجالسها طوال العام مثل حسينية ومأتم مدن بالمنامة ، وحسينية ( أبو عقلين ) بالمنامة أيضاً ، بالإضافة للمجالس النسائية التي لا تهدأ في البحرين طوال العام . ولقد كان للشيخ حسين علاقة بتأجيج هذه الحمية والعلاقة بين الناس وبين الحسين عليه السلام .
المثال الثالث : حفظه لحق باقي الأئمة الطاهرين : وأكمل هذا الشيخ مسيرته في التأليف على مستوى كتب المجالس التي تقرأ في تعزية أهل البيت عليهم السلام ، وقد أشار في بعض مقدمات مؤلفاته المشتهرة والمتداولة في البحرين ليومنا هذا على الرغم من كون بعضها مازال مخطوطاً لم يطبع ولكنه متداول أيضاً ونلاحظ مايذكره في مقدمته في بعض كتب وفيّات الأئمة صلوات الله عليهم : [ وبعد فيقول أحوج العباد إلى عفو ربه السبحاني حسين بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني ، إني لما رأيت الناس معرضين عن إقامة بقية مآتم الآل ، بعد مصيبة الطفوف ، وذلك من أعظم الأحوال لشيعتهم ..] ([8]) ، ويظهر من هذا الكلام أنه كان يعالج قضية دينية واجتماعية تمر بها البحرين في تلك الأزمنة من القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين ، وهي إعراض الناس عن إقامة مجالس بقية الأئمة الطاهرين واكتفائهم بذكر مصيبة الحسين وكربلاء ، وكان رضوان الله عليه قد شمّر عن ساعديه فألّف في وفيات جميع الأئمة دون استثناء فغيّر ذاكرة شعب بأكمله لينشغل بالأئمة الطاهرين ويصبح الأئمة حاضرين طيلة العام في مجالس أهل البحرين ، فأصبحت البحرين تشيّد المآتم والحسينيات وتذكر المعصومين .
ولقد كان والده الشيخ محمد العصفور الفقيه البحراني قد ألّف أيضاً في وفاة أمير المؤمنين (ع) كما قام بإكمال ( أوراد الأبرار )
أو كتاب ( الأسفار ) الذي ألّفه الشيخ حسن الدمستاني ، وكلها من الكتب المجلسية التي كتبت على منوال المنتخب للشيخ الطريحي ، فكان الشيخ الفقيه حسين العصفور امتداداً لتلك المدرسة ولكنه أضاف الكثير وأشاد المباني سيما في ذكريات باقي الأئمة وهذا أمر تطور في البحرين فيما بعد فأصبحت ذكريات الأئمة لا تنقطع في أوال البحرين .

المثال الرابع : النفس الأدبي والشاعرية : لقد كان رحمة الله عليه شاعراً وقد طعّم بعض مؤلفاته من وفيات الأئمة عليهم السلام بشئ من شعره ولعمري فقد ورد في الأحاديث عنهم صلوات الله عليهم الحث على كتابة الشعر في آل محمد وفي مصائبهم فقد كان مثالاً تطبيقياً للغاية التي من أجلها أمروا شعراءهم برثاء الحسين والأئمة من ولده ، وفي أكثر من مصدر من المصادر التي اعتنت بتراث العلماء ذكرت أن للشيخ رحمه الله ديوان شعر ولا ريب أن ذلك الديوان كان ممتلئاً بشعر الولاية ، وللأسف الشديد فإن هذا الديوان من المفقودات لحد الآن لم نجده في المكتبات التي تعنى بهذا اللون من ألوان التراث وبالمخطوطات وحتى المهتمين بالمخطوطات على حد معرفتي لم يذكروا أنهم يمتلكون نسخة منه فلعل الزمن يرينا يوماً من الأيام نسخة خبأها في إحدى الزوايا فإنها لابد أنها ستكون لوناً آخر لهذه الشخصية البحرانية العلمية والأدبية والفقهية التي يفخر كل بحراني بها . أما على مستوى الأدب النثري فهو واضح في كتاباته الفقهية فضلاً عن الولائية منها فإنها تعج بنثره الرائق ، والحمد لله أولاً وآخرا .

وكتب بيمينه الداثرة
بشار العالي البحراني
1 صفر 1431هـ

الهوامش والمصادر :

([1]) الشيخ الطبرسي / الإحتجاج ج1 : 8
([2]) الشيخ الطبرسي / الإحتجاج ج1 : 7 ، ومعنى الناشب هو الواقع فيما لا مخلص منه
([3]) شرح أصول الكافي للمازندراني ج9 : 275
([4]) تهذيب الفوادح : 105 ط حديثة .
([5]) مريق الدموع : 26 ط الرابعة ، وهو مطبوع تحت عنوان مريق الدموع في مراثي أبي عبد الله الحسين عليه السلام أيام الأسبوع .
([6]) مريق الدموع ط : 31
([7]) مريق الدموع ط: 68
([8]) من مخطوط وفاة الإمام زين العابدين : ورقة 1 ، مكتبة كاتب المقال للمخطوطات

الخميس، 7 يناير 2010

محرم وضرورة تقييم الموسم

إن إحياء شعيرة عاشوراء في البحرين واجب ديني ، و تقليد جماهيري دأب عليه أهل البحرين من الشيعة منذ مئات السنين ، ولطالما كان هذا الموسم مميزاً في هذه الأرض لأنه مساحة زمنية لظهور الولاء الكامن في هذا الشعب المؤمن بالقضية الحسينية على أنها تجسد الإسلام بكل مبادئه وقيمه . في هذا الموسم بالتحديد تتدفق سيول من الحشود البشرية كل يوم للمآتم والمواكب لتعلن بيعتها للحسين عليه السلام ، ووقفة منا أمام هذه الظاهرة الحاشدة ألتقط جانباً أحب أن أتناوله بالحديث عنه وأضمنه دعوة صادقة لحفظ هذا التراث الثر في عدة محاور أسأل الله أن يمدني بلطف عنايته لإيصال الفكرة للقارئ العزيز .

المحور الأول : ضرورة الأرشفة
بحسب تعاملي مع تاريخ البحرين على مدى سنوات بين المخطوطات والوثائق أستطيع أن أجزم أن شعب البحرين أضاع كماً هائلاً من تراثه بسبب إهماله وبسبب عدم معرفته بأهمية التوثيق وضرورته فلقد ساهم بشكل ساذج في ضياع معلومات مهمة هو اليوم بأمس الحاجة إليها ، بسبب الإهمال وبسبب الجهل بأهمية الشئ الذي يمتلكه ، ففي كل قرية يعود الموسم الثمين علينا في كل عام . فكم عدد المآتم والحسينيات في البحرين ؟ ، وكم من خطيب يرتقي المنبر فلو افترضنا أن البحرين بها 300 حسينية معنى ذلك أن هناك 600 مجلس حسيني في اليوم الواحد حيث تكون القراءة ليلاً ونهاراً بمعنى أنه خلال عشرة أيام يتحصل لدينا مايقارب من 6000 مجلس حسيني خلال موسم واحد مع أن عدد الحسينيات أكثر والموسم يمتد لأكثر من ستين يوماً خلال شهرين بمعنى أن هناك أرقاماً ستزداد أمامها الأصفار ولكن لو انتهى الموسم نقول كم مجلس حسيني تم تسجيله إنه يؤرخ لتاريخ المأتم ويؤرخ لشخصيات الخطباء ويؤرخ لتاريخ البحرين والأهم من ذلك إنه يؤرخ حالة دينية وشعيرة مهمة ، كل هذه التأريخات تذهب أدراج الرياح ويمر الموسم وكأنه لم يمر فكم قيمة جهاز التسجيل أمام القيمة المعرفية لهذا الموسم وكم قيمة كاميرا الفيديو أمام حفظ المعارف التي يلقيها جماعة لا بأس بهم من رواد المنابر والعلماء الذين ينالهم التعب في تحضير هذه المحاضرات وتدوينها وبعد ذلك ترى أنه لا يوجد أدنى استفادة من هذا الموسم فالخطيب ألقى المحاضرة وانتهى كل شئ ، في بعض المآتم والحسينيات كانوا يقومون بتشغيل شريط فيديو مضى عليه أكثر من عشرين عاماً لقد عاد بذاكرتهم مع ذلك الخطيب ورأوا كيف كانت المواضيع التي يطرحها أساساً لهم اليوم وكيف شكلت وكونت أفكار أهل تلك القرية وساهمت في تشكيلة الوعي عندهم ، من جانب آخر كانت الكاميرا تمر على الكثير من الوجوه التي فارقت القرية للعالم الآخر وبعض الوجوه التي كانت صغيرة آنذاك . كانت ذكريات مهمة بالنسبة للكثير إنها مسؤولية إدارات المآتم التي تهمل هذا الجانب وهي لا تعلم أنها تقبر تاريخها وتاريخ قريتها رغم قدرتها على حفظه بثمن بخس ، وليس الموكب بأفضل حظاً من الحسينية والمنبر فقد عانيت كباحث في مجال الموكب لأن الكثير من القصائد والأطوار والألحان لم تكن موثقة ومؤرشفة وبالتالي ضاعت حقبة مهمة في تاريخ الموكب بسبب عدم الأرشفة والتدوين ، إنها أيضاً مسؤولية أصحاب المواكب وإدارات المآتم في حفظ هذه الأمور حتى لا يضيع تاريخ أمة محبة للحسين عاشت على هذه الأرض . وأدعو لوجود أرشيف في كل حسينية من حسينيات البحرين يحتوي على تسجيلات بالصوت والصورة للمحاضرات طوال العام وبالخصوص موسم محرم وموسم شهر رمضان المبارك بغض النظر عن مستوى الخطيب ، كما لابد أن يكون لدينا أرشيف خاص بالصور والصوتيات للمواكب وباقي الفعاليات التي تقام في هذه المواسم فلو كنا نمتلك ثقافة الأرشفة لما ضاعت علينا الكثير من الأمور المهمة في تاريخنا .

المحور الثاني : ضرورة التقييم :

لست بحاجة ان أتحدث عن حاجة المؤسسات وحاجة الشخصيات لمسألة النقد والإنتقاد حيث أثبت العلماء أنه حاجة فطرية للإنسان . والتقييم لكل عمل هو ماتقوم به كبريات الشركات والمؤسسات الإقتصادية والدول والمؤسسات الحكومية وذلك بالهدف الأول للحفاظ على وجودها كمؤسسة قائمة . بعد هذه المقدمة أود أن أتحدث عن ضرورة التقييم لأداء كل موسم من المواسم . نحن في شهر محرم وموسم عاشوراء ننفق الملايين من الدنانير فهناك جانب اقتصادي له علاقة بهذه الطائفة لو قيمناه لوصلنا لنتائج مهمة وكبيرة وطبعاً هذا الأمر يرجع للمحور الأول وهو ضرورة الأرشفة لنعود لنتائج اقرب للصحة ويتشكل لدينا أساس مهم لدراسات مستقبلية مع هذا الموسم المهم ، من جانب آخر نحن بهذا لتقييم نرتقي لأداء أفضل فعلى صعيد المنبر مثلاً لو أدرك الخطيب أن هناك من يقيم موضوعه أليس هذا يدخل في تحسين مستوى أدائه ولكنه لو علم أن الأمر لا يقيم فهو يساهم في خفض مستوى الأداء ، وكما أنوه أنه لابد أن يكون التقييم بشكل يحفظ فيه مكانة وكرامة الشخصيات وعدم توهينها حتى لا نقع في المحذورات الشرعية ، ألا ينبغي أن تقيم القصائد في مواكبنا حتى نعرف مدى قوتها وضعفها وهل كان المستمع والمتلقي يتفاعل ذهنياً معها أم لا ؟ ألا ينبغي أن نقيم عشرات الرواديد ؟ فكم من قصيدة تلقى ؟ فهناك عشرات المواكب في قرى البحرين وأكثرها تستهلك قصائد جديدة بمعنى أنها تستهلك شعراء ومواهب وطاقات وهناك ألحان يمتعض منها بعض المعزين وهناك أمور بحاجة لاستبدالها ولكن نفتقد التقييم الحقيقي القائم على أسس سليمة في البناء فلو وجد التقييم والنقد الحقيقي لأرتقينا بإدارات مآتمنا وارتقينا بمواكبنا وارتقينا بفنون شعرنا وغير ذلك فهل عرفنا قيمة التقييم ؟ في هذا المحور أدعو لوجود استبيانات تشكل حالة من التقييم للخطباء وأداء الإدارات وأداء الرواديد وإبداء الملاحظات وأخذها بعين الإعتبار بعيداً عن المجاملات ، حتى تثمر مواسمنا بشكل أكبر وترتقي بشكل أفضل .

المحور الثالث : ضرورة العودة للإمام الحسين عليه السلام .


هذه الضرورة هي الضرورة الأولى ولكن أخرت الحديث عنها لأنها الأكثر هموماً وتشعباً ، أليس من المفترض أن هذا الموسم هو موسم الحسين ؟ ولكن تتفق معي قارئي العزيز أننا بحاجة أن نكون حسينيين في هذا الموسم وخارجه للأسف أصبحت هناك بعض الظواهر الدخيلة على مجتمعاتنا كانت الأكثر حضورا في موسم محرم كتبرج الفتيات وخروجهن بكامل زينتهن . إنهن يفسدن موسمنا ويحطمن كل جنبة رسالية في الموسم حتى أصبح موسم محرم موسماً للمغازلات ومجالاً للفساد بعد أن كان الحسين عليه السلام يقول ( إنما خرجت لطلب الإصلاح ) كلا إن هذه الظاهرة لا تمثل موسمنا ولا تمثل مذهبنا ولا تمثل حسين القيم والمبادئ . أمر آخر هو كثرة الصراعات في الموسم ، إن موسم محرم هو موسم إلتقاء للحشود والآلاف من كل أنحاء البحرين ولا ينبغي أن تهدر قيمته بنزاعات وصراعات تفوت علينا الإستفادة من نمير سيد الشهداء حتى ننشغل بتوافه الأمور بين صراع الخطوط والسياسات وبين مشاحنات وصراعات قديمة تعاود لتطفو على السطح ويستثمر هذا الموسم لإذكاء شرارتها من جديد فلو كنا حسينيين بالفعل لما سمحنا لمن يريد أن يشعل فتيل الفتنة أن يستخدم هذا الموسم لإشعالها ( الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ) ، وفي تصوري أننا بحاجة لثقافة الحسين نثقف أنفسنا كيف نكون حسينيين وكيف نجعل من قيم الحسين هي المحرك لنا ولمواسمنا قبل الدخول للموسم في كل عام . فعلى العلماء أن يقوموا بمواسم تهيئة لإستقبال شهر محرم الحرام كما نصنع مع شهر رمضان المبارك تهيئة على المستوى الروحي والثقافي والأخلاقي حتى يعود علينا الموسم بالنفع بشكل أكبر . والحمد لله رب العالمين

بقلم : بشار العالي
في 20 محرم 1431هـ

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

الصمّان و ( أم الصمّان) القرية المندثرة



1- التعريف بها وبموقعها :
تسمى هذه القرية ( الصمّان ) أو ( أم الصمّان ) بفتح الصاد وتشديد الميم ، وتقع في جنوب جبل الدخان من جزيرة البحرين ، بالقرب من أم جدر ، وهي إحدى قرى البحرين البائدة ولا ذكر لها في هذه الأيام ، ومما يدلل على قرويتها لتكون مدرجة ضمن قرى البحرين البائدة هو نسبة بعض العوائل لهذه القرية كما سيأتي .

2- المنطقة الجنوبية وبعثات التنقيب :
تعتبر الصحراء المحيطة بجبل الدخان والمنطقة الممتدة من جنوب شجرة الحياة إلى رأس البر ، منطقة اكتشفت فيها البعثات التي كانت تنقب آثاراً تعود إلى عصور ماقبل التاريخ ، أي 50,000 إلى 6,000 ق.م ([1]) ، أي أن آثار الحياة كانت موجودة في هذا القسم من جزيرة البحرين ماقبل 7000 آلاف عام تقريباً حيث كانت هناك حياة وكانت آثار وجود الإنسان كأي جزء من أجزاء الجزيرة المأهولة بالسكان . طبعاً كانت الآثار تؤكد وجود الإنسان بمرحلته البدائية على هذه الأرض .
وقد رأيت بنفسي أن في المنطقة الجنوبية وبالخصوص بالقرب من حلبة البحرين الدولية ( الفورملا ) آثاراً لقبور تشبه مايعرف بقبور عالي على إحدى التلال ، ولا يخفى على من بحث في التاريخ أن هذه القبور تعود لفترة زمنية موغلة في القدم وعلى ما لاحظه أحد الباحثين بقوله : [ مدينة دارسة لا يعرف لها تاريخ ، كأن سكانها خلقوا وماتوا قبل أن يكتشف الإنسان القراءة ]([2]) وهذه ملاحظة مهمة في فهم الحقبة التاريخية لقبور عالي التي تملأ أرجاء البحرين وإلى الآن لم يحدد التاريخيون شيئاً دقيقاً حول هذه القبور وما هي إلا تخمينات .

من ناحية أخرى ينقل التاجر في كتابه ( عقد اللآل ) وجود آثار في هذه المنطقة ووجود حياة ومدن قديمة وأطلال ومنازل([3]) _ الآن لا أثر لها بعد تنقيبات النفط وتملك الأراضي للمتنفذين _ وإهمال هذا الجانب من تاريخ البحرين هي مسؤولية إدارة المتاحف والآثار التي أخفقت كثيراً في حماية آثار هذه الأرض أمام طمع حب التملك .

3- البعثة الدانمركية [ العام 1953م ] .
وأوضح التصوير الجوي في منطقة الممطلة([4]) وحولها ، بأنه حيث ماوجدت عيون الماء وجدت مستوطنات العصور الحجرية ، وبالفعل تمكنت البعثة من التعرف على بقايا عدة مستوطنات من هذا النوع كما تعرفت على مواقع كثيرة لأحجار الصوّان في صحراء جزيرة البحرين ، من بينها مواضع تشبه إلى حد بعيد ورشات عمل الإنسان الأول ، توجد بين عيون ماء قد جفت منذ زمن بعيد ، عثرت فيها على عدد غير محدود من قطع حجر الصوّان المشذبة ورقائق ، منها ماهو مربع الشكل ومنها ماهو مقطوع من أحد أطرافه وأخرى طويلة محززة ([5])
بيد أن الأمر بحاجة لدراسة جديّة عن أسباب انعدام الحياة في هذا الجزء من الجزيرة وماهي أسبابه وهل تعود لتغيرات طبيعية في البيئة أو جيولوجيا المنطقة كان منها إنعدام الماء من الجزء الجنوبي حيث كانت البحرين أشبه ببركة ماء ينبع منها الماء الحلو من كل مكان حتى في البحر فكانت خضراء على مدى آلاف السنين حتى كانت كالجنة الخضراء واستحقت أن تكون الأرض المفقودة أو الجنة كما تصورها كتب الحضارات الأخرى أو مايعرف بأرض الخلود ، وكان السبب الرئيس في هذا الأمر هو وجود الماء يقول الله جل وعلا ( وجعلنا من الماء كل شئٍ حي ) ، أم أن هناك أسباباً أخرى أدت لانعدام الحياة في هذا الجزء كالأسباب التي بحثناها في اندثار القرى فالمجال مازال مفتوحاً حتى يتم الوصول للحقيقة العلمية الغير متيقنة .
فيتخلّص مما سبق أن الحياة كانت موجودة في الجزء الجنوبي من جزيرة البحرين لآلاف السنوات قبل الميلاد وليست هي أرض لم تسبق بها الحياة وعليه فهناك سند تاريخي يثبت وجود أمثال هذه القرى في تلك النواحي من البحرين .


4- المصادر التي وثقت وجود هذه القرية :

تطرقت بعض المصادر التي سنذكرها لوجود هذه القرية والتي هي مرددة بين ( الصمّان ) و ( أم الصمّان ) وفيما يلي نذكر من هذه المصادر التي توفرت لدي وهي :
1- حاضر البحرين وماضيها للشيخ إبراهيم المبارك المتوفى في العام (1399هـ ) يقول عنها : [ صمّان ، كحسّان وهي اليوم خراب ]([6])
2- قصيدة الغريفي : وهو العلامة السيد شبر السيد عدنان المتوفى في العام ( 1288هـ _ 1871م ) . يقول في تعداده لقرى البحرين :
بالفارسـية فالسهلان فالسند فسبسبٍ فنقا الصمّان فالصددِ([7]) وكلمة ( نقا ) على مافي مختار الصحاح : مقصورٌ كثيب الرمل([8]) . ولا علاقة لها بالمكان فإن الشعراء يستخدمونها حين يصفون الأماكن كعادتهم سيما في البيئة العربية التي لا تنفك عن ذكر الصحراء والبراري وما يتعلق بشؤونها كالكثبان الرملية .
والجدير بالذكر أنني وجدت تعليقاً على نفس المخطوط على كلمتي ( نقا الصمّان ) جاء فيه : [ نقا الصمّان قرية في جنوب أوال ،آخر جبل الدخان جنوباً بها عين ماء تعرف بها ] . ولا أعلم من الذي كتب التعليقة وغالب الظن أنها مستحدثة على القصيدة بشكل تعليقات وتوضيحات من الناسخ والله تعالى العالم .
3- الخارطة الرسمية للبحرين والمطبوعة ضمن الأطلس العربي ( جيوبر وجكتس ) وحددت موقعها في الجزء السفلي ( الجنوبي ) للجزيرة بإحداثيتين هما : الصمّان ، وعين أم الصمّان .
4- كتاب ( من تراث شعب البحرين ) للمرحوم الشيخ محمد علي الناصري رحمه الله حيث عد هذه القرية ضمن قرى البحرين البائدة([9]) ، على أن الطريق لموسوعته حول قرى البحرين غير مفتوح وإلا لكانت لدينا معلومات أكثر حول هذه القرى .
5- وثائق تتضمن أسماء تنتمي لهذه القرية ضمن مكتبة الوثائق الخاصة بكاتب المقالة .

ملاحظة : لم يذكر هذه القرية المؤرخان محمد خليفة النبهاني ، في ( التحفة النبهانية ) ولا ناصر بن جوهر الخيري في ( قلائد النحرين ) حيث يظهر أن لهما منهجاً آخر في تقسيمات القرى والمناطق ، ولم يذكرها العصفوري في ( تاريخ البحرين ) ولا الشيخ التاجر في ( عقد اللآل ) وهو من غريب أمر الأخير الذي استقصى أخبار قرى البحرين .



5- بحث في أصل التسمية :
بحسب المصادر اللغوية والجغرافية معاً استطعت أن أحصر هذا البحث وهذه التسمية في ثلاث نقاط ، وقبل الخوض فيها أؤكد على أن أصل التسمية ( الصمّان ) هو عربي وليس فارسي المنشأ لأن أصله في اللغة الفارسية يكاد يكون منعدماً ، وبعد استثناء الأصل اللاتيني أيضاً ينحصر أصل الإسم في الأصل العربي كما بينا سابقاً حول أصول مسميات القرى ، ويمكن أن نحصر ونلخص ما ذكر في المعاجم وكتب التاريخ واللغة عن هذه التسمية في ثلاثة اتجاهات :

الإتجاه الأول : إن كلمة الصمّان مأخوذة من ( الصم ) وهو من به الصمم ، وهو غير عزيز في لهجة أهل البحرين فإنه لمناسبة ما أطلقت صفة الصمان على هذه القرية ويؤيده كلمة ( أم ) المضافة ولكن لغياب المناسبة وعدم معرفة السبب لا يمكن معرفة أصل التسمية . أهل كان بها جماعة من الصم مثلاً فلزمهم اللقب ؟! ولا يمكن الجزم بها . ويؤيده مانقله ابن منظور من قول الشاعر: يدعو بها القوم دعاء الصمان([10]) .

الإتجاه الثاني : إسم علم لمكان هو الآن في المملكة العربية السعودية ، وقال في نزهة المشتاق : [ ومن أراد المسير من اليمامة إلى البصرة .... ثم يسير ثلاث مراحل أخرى إلى الصمّان وهي قرية عامرة يسكنها قوم من العرب جياع عراة قد كتب الفقر لهم بأمان .. ]([11]) فيظهر أنها في بر الجزيرة العربية . وجاء في أشعار العرب كما عن النابغة الجعدي قوله :
أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي * إلى جانب الصمّان فالمتثلمِ ([12])
وكقول عباس ابن مرداس في قصيدة له أيضاً :
يابعد منزل من ترجو مودته * ومن أتى دونه الصمّان والحفرُ([13]) فالصمّان والحفر اسمان لموضعين معروفين ، وفي لسان العرب لإبن منظور قال : قال أبو منصور وأنشدني أعرابي بالصمّان :
ترعى من الصمّان روضاً آرجا * ورغلاً باتت بـه لواهجا([14])
، ومازالت الصمّان موجودة في المملكة العربية السعودية ولها ينسب جماعات منهم في مناطق متفرقة من أنحاء المملكة العربية السعودية كمكة وغيرها . وينسبون لها الصُمّاني _ بضم الصاد _ ويستفاد من المصادر أنه كان يسكنها من العرب بنو تميم . ويكاد هذا الإتجاه أن يكون عقيماً في البحث لولا أن نقول أن جماعة من أهل الصمان من ناحية الجزيرة العربية قد استوطنوا هذه المنطقة فنقلوا الإسم معهم وأيضاً لا دليل عليه ولا شواهد .

الإتجاه الثالث : أن هذا الإسم يطلق على الأرض الوعرة ذات الخشونة ، قال ابن منظور : ( وصلب الصمّان مكان خشب أخشب غليظ )([15]) ، وقال أيضاً : ( والصمان والصمانة أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل )([16]) ، وهذا الإتجاه غير بعيد عن أصل اشتقاق التسمية سيما لو رأيت وعورة ناحية هذه القرية من موقعها الحالي المندثر

6- عوائل تنتمي لهذه القرية المهجورة :

يذكر الشيخ إبراهيم في حاضر البحرين مانصّه : [ ومن البلدان التي تفرق أهلها .... ومنها الصمّان ، ففي بلادنا عالي منهم وهم الحاج علي بن أحمد الصمّاني ، وقرابته . ]([17]) ، ومازالت هذه العائلة في قرية عالي تعرف بنفس التسمية واللقب إلا أنه في الأوراق الرسمية قد اختفى هذا اللقب من العائلة . ومن ناحية ثانية فإن كبار السن في هذه العائلة ينقلون أن أجدادهم ولدوا في قرية عالي مما يفيد أن الهجرة من القرية الأم كانت لسنوات بعيدة لم يدركها جيل الأجداد منهم .
ووجدت ضمن مكتبة العالم الجليل الشيخ جعفر الخال الدرازي رحمة الله عليه ، كتاباً مخطوطاً للشيخ مفلح الصيمري (قده) وهو المعروف بـ( جواهر الكلمات في العقود والإيقاعات ) نسخة مصورة عنه كان المرحوم ولده الشيخ محمد بن شيخ جعفر الخال ينوي تحقيقها وبالفعل أكمل نقلها كاملة من المخطوط وقام بضبطها إلا أنه لم يكملها وعاجله أمر الله عن إكمال مجهوده ، وكانت النسخة المخطوطة والمصورة مذيلة وعليها تاريخ ، جاء فيها بتذييل الخطاط : [ الفقير إلى الله الغني ابن علي ابن محمود بن الحاجي الصمّاني محمد المطّلق مشهوراً _ هكذا _ في انتصاف ليلة الثلثاء غرة شهر جمادى الثاني من شهور سنة خمس وستين وتسعمائة من الهجرة النبوية المصطفوية ] . والشيخ مفلح هذا كان حيّاً في العام 873 هـ وهو عام كتابة إجازة لتلميذه ناصر بن إبراهيم البويهي ، كما عن الأعيان ([18]) ، وعلى أي حال فهذا الإسم وجدته ولا علم لي هل كانت الصمّان موجودة في القرن العاشر الهجري أم لا ، لأن أي رقم سوف نضعه لا يتعدى حدود التكهنات والله تعالى العالم بحقيقة الحال .
وأخبرني جماعة من الثقات أن هناك أكثر من عائلة من قرية دار كليب تنتمي لهذه القرية المندثرة منها عائلة الحاج علي المعروفة بعائلة آل عريش هم ايضاً من قرية الصمّان وكانوا يتلقبون بهذا اللقب ولهم ذرية إلى يومنا هذا ، ولا يخفى على الباحث أن جماعة من سكنة دار كليب وشهركان والمالكية وصدد ينتمون لهذه القرية ولو بحثنا بحثاً ميدانياً لطال بنا المقام ، فلعل المهتمين والمتصدين يقومون به لضرورة ما يوماً من الأيام .

الخلاصة من هذا البحث :

أنه توجد قرية في البحرين باسم ( الصمّان ) أو أم الصمان في جنوب الجزيرة وكان بها حياة وعين ماء أيضاً ، وكانت مأهولة ثم انعدمت الحياة فيها لأسباب مجهولة وغير معروفة وهي من قرى البحرين المندثرة .

وهذا ما استطعت جمعه حول قرية الصمّان المندثرة وليعذرني الإخوة في عدم نشر الوثائق الآن لأنني أولاً في طور جمع المادة ، وثانياً سأجمعها في كتابي المعد للطبع وهو ( النسائم العطرة من قرى البحرين المندثرة ) الذي سيصدر قريباً إن شاء الله تعالى .
وكتبه بيمينه
بشار عبد الهادي عيسى العالي البحراني .
في 5 ذي الحجة 1430 هـ

8- مصادر البحث :
1- حاضر البحرين وماضيها / الشيخ المبارك طبعة تجريبية عن النسخة المخطوطة .
2- عقد اللآل في تاريخ أوال / الشيخ محمد علي التاجر.
3- قلائد النحرين / ناصر بن جوهر الخيري
4- التحفة النبهانية للشيخ محمد النبهاني
5- الذخائر أو تاريخ البحرين للشيخ محمد علي العصفور
6- التسلسل الحضاري لمملكة البحرين على ضوء نتائج التنقيبات الأثرية / د . عبد العزيز علي صويلح
7- أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين
8- لسان العرب /لإبن منظور
9- سبل الهدى والرشاد / للصالحي الشامي
10- معجم البلدان / لياقوت الحموي
11- نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/ للشريف الإدريسي
12- من تراث شعب البحرين / محمد علي الناصري
13- مختار الصحاح /الرازي
14- وثائق خاصة لدى كاتب المقالة
15- وثائق مخطوطة عند السيد صادق الغريفي
16- مقابلات خاصة واستطلاعات
([1]) التسلسل الحضاري لمملكة البحرين : 438
([2]) عقد اللآل في تاريخ أوال : 40 بالهامش ، نقلاً عن الريحاني
([3]) عقد اللآل في تاريخ أوال : 41
([4]) الممطلة منطقة مهجورة في جنوب جزيرة البحرين بينها وبين الصمان مسافة بسيطة
([5]) جلوب . ب . ف 2003 ، ص 350 ، عنه التسلسل الحضاري لمملكة البحرين : 62
([6]) إبراهيم المبارك : حاضر البحرين وماضيها : 46 طبعة تجريبية عن المخطوطة
([7]) قصيدة مخطوطة لدى مجموعة السيد صادق الغريفي ( حفظه الله )
([8]) مختار الصحاح : مادة ن_ ق _ا : 390
([9]) من تراث شعب البحرين : 159
([10]) ابن منظور / لسان العرب ج12 : 343
([11]) الشريف الإدريسي / نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ج1 : 160
([12]) ياقوت الحموي / معجم البلدان كلمة حروراء
([13]) الصالحي الشامي / سبل الهدى والرشاد ج5 : 344
([14]) ابن منظور / لسان العرب ج2 : 352
([15]) ابن منظور / لسان العرب ج1 : 354
([16]) ابن منظور / لسان العرب ج12 : 346
([17]) حاضر البحرين وماضيها : 50 طبعة تجريبية عن المخطوطة
([18]) السيد محسن الأمين /أعيان الشيعة ج5 : 70

الأحد، 15 نوفمبر 2009

البحرين كما وصفها العاملي الجزيني

البحرين كما وصفها العاملي الجزيني

كان أحد العلماء الذين جابوا بلاد الله الواسعة في طلب العلم ، هاجر من جبل عامل ، وطاف في الحواضر الشيعية المكتظة بالعلم والعلماء ، ولولا أنه عالم لما كان لتقييمه للعلم والعلماء أهمية تذكر . عاش في القرن الثاني عشر الهجري ومن حسن الحظ أنه ألقى عصاه في جزيرة أوال حيث تشرفت البحرين بأن يعفر هذا العابد جبهته الشريفة على ترابها في صلواته ، كما كان له أن ينال من ينابيع البحرين الدافقة فشرب من زلال علمائها الأتقياء ونهل من علومهم ومن حسن الحظ ثانية أنه دون جزءاً كبيراً من رحلته المباركة في كتاب ألّفه حول البحرين وأسماه ( مرآة البحرين ) وهذه وقفة مع العالم وأثره الخالد .

1- نسبه وموطنه
أما نسبه فقد ذكره الشيخ يوسف العصفور كاملاً وكان من معاصريه نقله في الكشكول عنه شخصياً فقال: [ الشيخ مكي بن محمد بن شمس الدين بن الحسن بن زين الدين بن محمد بن علي بن شهاب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن شمس الدين بن محمد بن بهاء الدين بن علي بن ضياء الدين محمد بن شمس الدين محمد الشهيد بن شرف الدين مكي والد السعيد الشهيد هكذا نسب نفسه أطال الله عمره ]([1]) .وقد نقل السيد الأمين في الأعيان نسبه هكذا [ الشيخ شرف الدين محمد مكي أو محمد علي _ التردد منه _ ابن ضياء الدين محمد ابن شمس الدين بن الحسن بن زين الدين الشهيد العاملي الجزيني ]([2]) ، وقال عنه وهو في طبقة الشيخ يوسف صاحب الحدائق ، مما يفيد أن الشخصية واحدة ولكن وقع اختلاف في تعدد سلسلة نسبه واتصاله بالشهيد والله العالم بحقيقة الحال.
أما موطنه فقد عرف عن هذه الأسرة أنها من جزين وهكذا ينسب نفسه هو كما في مخطوطة كتابه ( مرآة البحرين ) العاملي الجزيني ، فأما كلمة العاملي نسبة لجبل عامل وهو المعروف الآن بالبنان وهي من الحواضر الشيعية العريقة خرج منها فطاحل العلماء الذين رفدوا التشيّع وأمدوه بدمائهم وعلومهم كالشهيدين الأول والثاني ، والشيخ البهائي ووالده الذي دفن في البحرين ( أوال ) في مقبرة (أبي عنبرة ) ، والحر العاملي صاحب الوسائل ، والسيد شرف الدين صاحب المراجعات ومازالوا يرفدون التشيع بمدهم الخلاق وجهادهم يتقدمهم في زماننا السيد حسن نصر الله نصره الله وأيده . أما لقب ( الجزيني ) فهي قرية من جبل عامل وهي تقع الآن في جنوب لبنان ، وهي مسقط رأس الشهيد الأول المولود في 734هـ والمستشهد في العام 786هـ وهو جد الشيخ صاحب الترجمة .
ترجمته في الأعيان :
وذكره الأمين في الأعيان ج 14 : 378 وقال عنه : [ عالم فاضل محدث لغوي شاعر من مشايخ الإجازة طرقه كثيرة نقية جيدة يظهر من بعض إجازته أنه تجول في البلاد وتحمل من علماء البحرين والعراق واليمن وإيران والقدس والخليل ومكة المشرفة ، له مصنفات منها سفينة نوح ذات الأعاجيب ، جمع فيها من كل شئ أحسنه ، والروضة العلية ، والدرة المضية في الدعوات ، كان حياً سنة 1178هـ ]

2- الزمن الذي وصل فيه البحرين :

ومن خلال الأرقام التي ذكرها في المخطوطة لا نستطيع بالضبط حصر السنوات التي قضاها في البحرين على وجه الدقة إلا أنها تقريباً بين الأعوام 1160 إلى 1162 والله تعالى العالم ، وهذا يعني أن هذه الفترة التي قضاها كانت في فترة العصر الذهبي للعلم في جزيرة أوال والذي بدأ ماقبل الشيخ سليمان الماحوزي وامتد لما بعد وفاته حيث كان تلامذته وناهلو مدرسته المباركة يخوضون معترك العلم في شتى أصنافه كاللغة والأدب والفقه والكلام وغيره من المعارف الإسلامية المنتشرة في ذلك العصر . ويظهر أن لقاؤه مع الشيخ يوسف الذي سنتعرض له كان سابقاً على مجيئه للبحرين ولما كان بها كان الشيخ يوسف غائباً والله العالم .


3- حضوره عند علماء البحرين :
وقد نال هذا العالم قسطاً من فيوضات أعلام هذه الأرض ووصفهم بما هم أهله من الوصف وذكر من هؤلاء :
1- آية الله الشيخ حسين الماحوزي :
وقد حضر بحث الشيخ حسين الماحوزي وهو أستاذ صاحب الحدائق مدة عامين من الزمان ووصف الشيخ الماحوزي بقوله :
[ وأقل من اجتمعت به من لـه الفضل الفاضل، الذي لـه على أهل عصره الفضل، البحر الزاخر، حاوي الفضائل والمفاخر، شيخنا المحقق وأستاذنا المدقق، المبرّء من كلّ عيب وشين، بن محمّد جعفر الشيخ حسين الماحوزي. وهذا الشيخ لا أقدر على حصر فضله وفواضله، ولا يبلغ كنه غزارة علمه ودقة فهمه، قد مَنَّ الله تعالى به على أهل زمانه، فراج به الدين والعلم، وانتفع بجاهه المساكين، وقرَّت به عيون العلماء والمستفيدين. ولقد أقمت عنده سنتين فكان بمجالسته بلوغ المُنى وقرَّة العين، وقرأتُ عنده التهذيب والإستبصار، وسمعتُ عنده بقراءة غيري لديه من الأبرار الشرائع والكافي والغنية وتفسير الصافي. وهذا الشيخ ثقة ، ثقة ، ثقة محتاط في أقواله، متأملاً في أفعاله، ولقد أجازني إجازة عامة في كلّما يجوز روايته مما للرواية فيه مدخل، وذَكَرَنِي فيها بكلمات شريفة لطيفة جميلة جليلة ] ([3]).
2- آية الله الشيخ ياسين البلادي :
وحضر كذلك بحث الشيخ ياسين البلادي في قرية البلاد فقال فيه : [وفي أيام إقامتي بهذه البلدة قد ترددت إلى شيخ المشايخ، وهو فيها العمدة، أعني الشيخ الجليل الشيخ ياسين بن الشيخ صلاح الدين، وكنتُ كلما ترددت إلى ذاته الشريفة فاحت عليَّ روائح كلماته اللطيفة، وأتحفني بمصنفاته النفيسة التي تغني الناظر اللبيب عن منادمة الحبيب ] ويذكر أنه قد استجاز منه أيضاً فقال : [ولقد أجازني في أيام ترددي إليه فيما يصح روايته عن الائمة المعصومين وجميع مصنفاته وسائر منثوره ومنظومه، ولقد كتبت منها شطراً في هذا الكتاب في فصل يُذكر فيه كلّ مستطرف عن أولي الالباب ] .
4- وصفه للشيخ يوسف ولقاؤه معه :
وقد ذكر الشيخ يوسف صاحب الحدائق في كتابه وذكر لقاءه معه خارج البحرين فقال : [ ومنهم : العالم العلامة شيخنا الشيخ يوسف ، فهو وحيد دهره وفريد عصره عديم النظر في كلّ علم لـه القدح المعلّى والرقيب، قد أحاط بما لم يحط به غيره من غرائب العلوم والكتب، قد احتوت خزانة كتبه على قرب من عشرة آلاف كتاب، ونقل لي بعض الطلبة قال ربما كان عنده في شيراز قرب عشرين ألف كتاب وقد أصيب بهذه الكتب مع ما أصاب أهل شيراز من النوازل والمصائب التي يطول ذكرها، وقد سكن شيراز مدة من الزمان فراج به الدين وانتفعت به عامة المسلمين، ليله في العبادة ونهاره في التدريس والتأليف والإفادة، ولقد اجتمعت به في النجف سنة 1154 تقريباً وقد أمرني بالتماس لطيف شريف بان أقابل معه الكفاية فقابل نسخته على نسخة مصححة، وقد كتب جزء كراس بخط يده تصحيحاً لبعض الكلمات التي صدرت عن مصنف الكفاية، فقلت لـه كيف هذه الكلمات أفردتها فقال لعلننا نتأملها ونصححها بالعربية الفصيحة الصحيحة، ولقد أطلعت لـه على أشعار وقصائد كثيرة ومسائل وأجوبه لا تحصى، وعندي من أجوبة مسائله قرب ثمانين مسألة تقريباً ، ولما سافر أخوه الشيخ الفاضل الشيخ عبد علي إلى الهند قد كتب إليه مكاتيب شريفة وأشعاراً لطيفة وكتب لـه أخوه كذلك، وقد جمعت من مكاتبيهما وأشعارهما قرب جزء ذكرته في الفصل المشار إليه سابقاً، ولما سافرتُ إلى بلاد العجم لزيارة الرضا عليه السلام أقمتُ قرب ستة عشر سنة، ثمّ أني رجعت إلى النجف الأشرف فرأيت الشيخ المذكور أيده الله وزيد في عمره مجاوراً في كربلاء وترك الدنيا وشيراز وبلاد فارس وأقام في كربلاء للعبادة والإفادة والتدريس والتأليف وله مؤلفات جليلة وتحقيقات شريفة جميلة، منها: حاشية على المدارك لم ينسج على منوالها فله فيها التحقيق والتدقيق التام الذي لم يسبقه إليه سابق، وله رسائل مفيدة عديدة لا يحضرني أسماؤها، وله كشكول عظيم يفوق على كشكول الشيخ بهاء الدين، ولو شرحت جميع فضائله ومناقبه ومحاسنه وزهده وورعه وحسن أخلاقه لجف المداد والله رؤوف بالعباد .
5- وتجد وصفه لعلماء أوال :
يقول في بدايات كتابه عن أعلام البحرين ممن عاصرهم أو سمع بذكرهم : [ ثمّ إني في خلال إقامتي في جزيرة أوال قد تتبعت علمائها من أولي الفضل والأفضال، مما كان في زماني مما رأيتهم أو في غابر الأزمان، فكانوا بحمد الله جمّاً غفيراً ] وفي خاتمة كتابه يذكر مكانة علماء البحرين بحسب تقديره فيقول : [ واعلم ان علماء كثيرة قد خرجت من قرى البحرين فمنهم من لم أطلع على حالهم وأسمائهم ولا على شيء من آثارهم قدّس الله أرواحهم أجمعين. وبالجملة ان جزيرة أوال معدن الجود والإيمان والأفضال لم أر قط أحسن من معرفتهم في العلوم الدينية، وهم أحسن قوم في الفرقة الامامية، ولهم إخلاص زائد، واعتقاد في أهل جبل عامل كثيراً كثيراً، ورفعوا لي عندهم مقاماً خطيراً فجزاهم الله خير الجزاء انه أجود الأجودين ] .

6- ووصف بعض القرى أيضاً :
قال في وصف قرية البلاد : [ ثمّ ارتحلنا وعلى الله توكلنا إلى البلد القديم، وذلك بتقدير العزيز القدير العليم، أعني المشهورة بالبلاد، التي هي معدن العلم ومسكن الامجاد، فسرنا في تلك الأرض قليلاً، وكان مع العلماء سيراً جميلاً، فلما دخلتها فإذا هي بلدة عظيمة، طِيبها يحي النفوس، ومياهها جارية تذهب عن القلب الصدا والبوس، فعيونها تجري بين قصورها الشاهقة، وفيها أهلها الشموس والبدور الفائقة، وهي بلدة بالعلم مغمورة، ومساجدها بذكر الله معمورة، تسر الناظر وتشرح الخاطر ] .
7- مصير هذا الكتاب :
وأما هذا الكتاب الذي استعرضناه معكم فقد وجده الأخ الفاضل الشيخ إسماعيل الكلداري البحراني حفظه الله في إحدى زوايا مكتبات قم العامرة بالمخطوطات وهو كتاب يحتوي على تراجم كثيرة لعلماء البحرين والأحساء والقطيف والغالبية للبحرين ، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ البحرين ، وللأسف الشديد فإن النسخة ناقصة من بدايتها وأتمنى من الإخوة المهتمين بالمخطوطات في لبنان أن يزودونا بالنسخة الثانية إن وجدت حتى يتم طبع الكتاب كاملاً ، وقد قام الأخ الشيخ إسماعيل ضمن إهتمامه بتاريخ البحرين ومخطوطاتها بتحقيق الكتاب تحقيقاً جميلاً إطلعت على جزء كبير منه وقد أعطاني منه نسخة ونقلت منها أسأل الله أن يوفقه لإتمامه وإكماله .

مصادر المقالة :
1- الكشكول / الشيخ يوسف
2- مخطوطة ( مرآة البحرين ) / الجزيني ، تحت التحقيق
3- أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 14 دار التعارف
4- الفقه في جنوب لبنان / محمد الحسيني ، دار المحجة البيضاء
5- جبل عامل في التاريخ / محمد تقي الفقيه
6- لقاء مع الشيخ إسماعيل الكليداري حفظه الله
7- أنوار البدرين
8- منتظم الدرين
9- لؤلؤة البحرين
10 تكملة أمل الآمل / للسيد حسن الصدر
11- روضات الجنات


والحمد لله أولاً وآخراً
وكتب بيمينه الداثرة
بشار عبد الهادي العالي البحراني
في 25 ذي القعدة 1430هـ



([1]) كشكول الشيخ يوسف ج2 : 149
([2]) أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 14 : 378
(1) – راجع ترجمته في المصادر التالية : لؤلؤة البحرين:6، أعيان الشيعة143:6،تكملة أمل الآمل 229، روضات الجنات204:8و14:4، خاتمة المستدرك 388:3، منتظم الدرّين:خـ ، أنوار البدرين:176 .

الثلاثاء، 10 نوفمبر 2009

بربغي وصراع البقاء والزوال

بربغي وصراع البقاء والزوال

1- عالي في وصفها العام

تعتبر قرية عالي من أقدم القرى البحرانية ، وهي تاريخ يعتز به أهل هذه القرية خاصة وأهل البحرين عامة ، تاريخ يمتد إلى ماقبل ( ديلمون ) بآثار المدافن التي عرفت بمقابر عالي وذلك لكون قرية عالي احتضنت المدافن الملكية والتي لازالت قابعة بين المنازل في حي ( السادة ) وفي البر وجوار جامع عالي الكبير ، كما اشتهرت بصناعة الفخار وهي صناعة بحرينية عريقة مازالت تمارس ولها عوائل اشتهرت بهذه الصناعة ، وكذلك صناعة النورة وهي إحدى مواد البناء المعروفة في البحرين ولذلك تجد بعض الوثائق التاريخية القديمة تحمل أسماء وألقاب مثل لقب ( الدوغجي ) وهي نسبة بحرانية قديمة تنسب لكل من يعمل في ( الدوغة ) والدوغة هي المصنع أو الفرن الذي يتم فيه حرق النورة كمرحلة من مراحل تصنيعها ، ولكن هذه التسمية الآن قد اختفت .
وقد تميزت قرية عالي بتسميات لنواحيها فالقرية الأم تعرف بعالي ( مَعَن ) بفتح الميم والعين وسكون النون والنسبة لها المعني وهي التي تعرف بـ(الديرة ) ومن جهة الشرق تعرف بـ(روضة عبد الكاظم ) ولم أتحقق لحد الآن من صاحب هذه التسمية ولكن ينقل كبار السن أن من هذه المنطقة كانوا يأخذون الطين الذي تصنع منه الآواني الفخارية ، وفي شمال شرق القرية تعرف بـ( أبو لومي ) وهي تسمية تطلق على بستان كان بها وهي الآن في المنطقة التي بناها الوجيه الحاج حسن العالي رحمه الله . أما من جهة الجنوب الشرقي فبعد روضة عبد الكاظم نقل لي أكثر من شخص أنه كانت توجد آثار وقد أدركت جزءاً منها بداية انتقالنا إلى أسكان عالي ومحلها اليوم أسكان عالي بمناطقه الكبيرة الممتدة لمنطقة (جري الشيخ ) من جهة الجنوب حيث اتصلت ببدايات الرفاع أو مايعرف بمنطقة السيل ، وماتيقى من الآثار السالفة الذكر هو الحوض المائي الكبير الذي يعتبر من آثار عالي الشهيرة وهو خزان للماء يجمع سيول الأمطار وتخزن فيه ليستفيد منها الناس بعد ذلك .
وأما جهة الجنوب من عالي( معن ) فهي التلال الأثرية المترامية التي تصل لأطراف بوري الجديدة والجزء المتاخم لقرية عالي يعرف بـ( البر ) ويقال أن أول عائلة سكنت هذه المنطقة هي عائلة البر المعروفة في عالي ومنه أخذت التسمية وهي ليست بقديمة بل تعود لزمن الشيخ إبراهيم المبارك ، بعدها عرفت المنطقة بحي السادة من جهة الجنوب الشرقي حيث سكنته عائل الغريفي وفيه منزل سماحة العلامة السيد أحمد الغريفي (قدس سره ) حيث قطنت هذه العائلة قرية عالي منذ مئات السنين .
وتقع في غرب عالي قرية صغيرة تسمى ( عالي حويص ) يدعي أهل بوري أنها تابعة لبوري والتسمية التاريخية تكذب هذا الإدعاء فاسمها عالي حويص كما نقله أكثر من مصدر ولا حاجة للتدليل على هذا الأمر .

2- وصف لموقع ( بربغي ) ومعالمها :

تقع بربغي _ وهي جزء من عالي _ في غرب عالي وتمتد من غرب عالي إلى جهة الشمال بينها وبين قرية سلماباد بل وحتى غرب سلماباد وهي تتصل بعالي حويص من جهة الغرب . وأهم معالمها :
1- عين كبيرة تسمى عين الخضرا في الطرف الشمالي [ راجع أطلس البحرين ]
2- عين بربغي وهي بالقرب من مسجد أمير محمد بربغي
3- مجموعة من البساتين المترامية الأطراف تجري من تحتها الأنهار كانت عامرة بالنخيل .
4- مجموعة عيون دافقة
5- مسجد بني في الثمانينات يعرف بأمير محمد بربغي وهو غير مسجد ( امير محمد ) الموجود في غرب عالي
ويظهر من بعض الوثائق أنها تمتد كمسمى حتى الأطراف المتاخمة لسار بل وجبلة حبشي وبو قوة حيث يعرفون البر المتاخمة لقراهم ببر بربغي أو بربغو

أما الآن فهي خراب لا زرع ولا ماء سوى البراري التي يمر عليها من الجنوب شارع زايد . وبني في جهتها الشمالية جامعة ama ومحطة سلماباد ، فالأحرى ان تسمى جامعة بربغي

3- بحث حول التسمية :
في بحث أعددته عن قرى ومناطق البحرين سيطبع في القريب إن شاء الله كانت نتيجته أن أسماء مناطق البحرين تعود لثلاثة أصول ( أسماء عربية بحتة ) و ( أسماء فارسية بحتة ) و ( أسماء لاتينية ) .
أما الأسماء الفارسية فتعود لحقب قديمة تعود للقرون الأولى من ولادة السيد المسيح حيث كانت البحرين مستعمرة فارسية للإمبراطورية الفارسية الكبيرة التي يخضع جزء كبير من المنطقة لنفوذه وسيطرته وعلى هذا الأساس فالبحث اللغوي عن المسميات لا بد أن يخضع لمظلة اللغة الفارسية وتفكيك الكلمات يعود لهذه الأصول .
كلمة ( بر بغي ) وهي مركبة من كلمتين ( بر ) و ( بغي ) فكلمة بر عربية وهي ضد البحر ، ولو تجاوزنا أن كلمة بر غير عربية فيمكن أن تكون في الأصل ( بار ) وهي تأتي بمعان كثيرة في اللغة الفارسية : مثل المملوء والمشحون والزاخر ، وبمعنى ثمر ، وفاكهة وبمعنى الجنين في بطن أمه ، وبمعنى رفعة وعظمة ، وغيرها من المعاني إلا أن المعنى العربي والحمل عليه أقرب لكونه يتمشى مع النطق أكثر من كلمة ( بار ) .

وأما كلمة ( بغي ) فهي في الأصل ( باغ ) فلا وجه لها في الفارسية حين نقول ( بغي ) خصوصاً وأنها تكسر الغين فيها فيقوى الإحتمال أن أصلها باغ ثم استخدمت في باغي ثم تحولت إلى بغي على مايقع في سليقة لغة العرب ، وأما كلمة باغ فلها معان وهي : البستان ، والروضة والحديقة ، وأيضاً : وجه المحبوب . فيمكن أن يتركب المعنى هكذا ( حديقة أو بستان البر ) ووجه الإختيار لهذا المعنى هو كون الحقيقة التي كانت عليها هذه المنطقة هي عيون وبساتين .

وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن أهل هذه المنطقة هم من الفرس ولكن كان عمال الإمبراطورية الفارسية لهم مطلق العنان والتصرف في هذه الأرض ولذلك فأكثر تسميات مناطق البحرين فارسية وهي عربية وأهلها عرب ولكن هكذا يفعل الإستعمار . فبحسب مانقله المؤرخ التاجر في حديثه عن معن يستقرب أنهم ينتسبون إلى معن بن زائدة والله تعالى العالم .

4- بربغي في الأدب العربي :

وجدت في ديوان أبي البحر الخطي تناوله لهذه المنطقة المندثرة الآن في شعره ، يقول راوية ديوانه وصديقه وكاتب ديوانه الغنوي حسن بن محمد بن ناصر بن علي بن غنية وكان من سكنة قرية سار ، مانصّه : [ وقال يصف بعض الجواد _ الجواد بتشديد الدال جمع جادة : الطرق _ بين بربغي وسلماباد للسنة الثانية عشرة بعد الألف ] .
وطرقٌ سلكناها فما زال ضيقُها *** يجور بنا حتى ضللنا بها القصدا
فلو أن ذا القرنين أدرك بعضها *** لصيّره من دون يأجوجه سدّا

والشاعر عاش في القرن العاشر الهجري وأدرك الحادي عشر حيث كانت وفاته في العام 1028 أي حوالي 1619م ، وقد ذكر هذه الأبيات السيد محسن الأمين في الأعيان عند كلامه عن الشاعر أبي البحر الخطي .

كان هذا الشاعر يتجول حتى ضاقت به الطرقات في هذه المزارع العامرة بالنخيل والتي أدركنا منها بقايا آثار النخيل وترى في الأرض آثار مجاري المياه القديمة التي تعود لما يقارب الأربعمائة عام تقريباً من الآن ولا شك فإن المنطقة هي أقدم من زمن مرور أبي البحر الخطي عليها . فكان يقطع الطريق إذ مر على بربغي ومن شدة زحام النخيل والزرع ضل في طريقه وكان هذا الداعي لأن يقول هذين البيتين .
وأعجب من محقق ديوان أبي البحر انه لم يسأل أهل هذه المنطقة عن بربغي حيث كان يخمن أنها منطقة تقع بالقرب من سلماباد بل هي منطقة مندثرة قديمة .

5- المصادر التي وثقت هذه المنطقة :

1- عشرات الوثائق التاريخية لبيع عقارات ترجع للقرن العاشر والحادي عشر الهجري ومابعد ذلك ، محفوظة عندي لعدة مالكين من عالي وخارجها .
2- ديوان أبي البحر الخطي ج2 : 11 وهما البيتان السابقان .
3- ذكرها الناصري في موسوعته المخطوطة عن قرى ومناطق البحرين القديمة والمندثرة وهي موسوعة مخطوطة لحد الآن لم تطبع .
4- وذكرها الشيخ إبراهيم المبارك في كتابه ( ماضي البحرين وحاضرها ) فقال عنها : بربغي وموقعها بين سار وعالي وهي الآن خراب ليس فيها إلا النخل .
5- وقد وثقت لهذه المنطقة شخصياً في كتاب ( النسائم العطرة ) وهو كتاب عن قرى البحرين ومناطقها . سيطبع قريباً إن شاء الله تعالى .

6- وهل كانت مأهولة بالسكان ؟

من خلال البحث والتقصي لم أستطع أن أثبت أن منطقة بربغي التي هي جزء من عالي كانت مأهولة بالسكان بل كانت مجموعة مزارع ولا يستبعد كونها مأهولة أيضاً ولكن لا دليل ، سوى ما ذكره الشيخ إبراهيم وقال وهي الآن خراب مما يدلل على كونها مأهولة سابقاً . ولم ينقل أحد انه رأى بها بيوتاً أو آثارا تدل على السكنى والله تعالى العالم بحقيقة الحال . وينقل البعض ممن سمعت منهم أن بعض العوائل كانت تقطن بربغي وهي الآن في عالي ، نعم كان أهالي عالي يضعنون في هذه المنطقة سيما من لهم مزارع في منطقة بربغي فيقطنونها في فصل الصيف كعادة أهالي قرى البحرين ، وفيها مضعن معروف عند أهالي عالي بالقرب منها، أما كونها تسمى قرية فهو بعيد وغير معروف عند أهالي عالي نعم هي منطقة وليست قرية وهي من توابع عالي .

7- ماهو سبب اندثارها ؟

لقد كانت هذه المنطقة والمناطق التي في جوارها تزخر بموارد المياه من العيون الطبيعية التي تملأ هذه المنطقة ومن أبرزها كانت (1) عين حويص الشهيرة وهي موجودة إلى يومنا (2) عين رستان وهي إحدى عيون عالي الشهيرة وقد اندثرت وهي بالقرب من مسجد عين رستان الحالي الواقع على شارع زايد (3) عين الخضرا وهي في نواحي غرب سلماباد وغيرها من العيون التي منها (4) عين في بربغي نفسها تعرف بعين بربغي ذكرها بعض كبار السن لم أستطع ان أوثقها بغير النقل . وبما ان المنطقة زراعية ففقدان العيون وجفافها أدى لموت الزراعة وهذا سبب من الأسباب .

ومن ضمن الأسباب أيضاً هو تقاسم هذه الأراضي بعدة ورثة وهو ما أدى لبيع بعضها وإهماله وموت الورثة وضياع أوراق ووثائق كل هذه الأمور أدت لإندثار بربغي ولعل هناك أسباب أخرى .

8- من هو أمير محمد بربغي ؟

هناك قراءتان لإسم هذا المسجد وصاحب هذا القبر ( أمير محمد) و ( مير محمد ) وهو شخصية مجهولة لم يستطع مصدر أن يوثقها كما بينت بعض المصادر أنه أحد أمراء العيونيين وهو بعيد ولا دليل عليه ، وإذا كان كذلك فهو أمير ورئيس وليس من عباد الله الصالحين أو العلماء الأعلام ، أما المسجد فهو ليس بالقديم بل الموجود في عالي أقدم منه وأكثر شهرة بل الأقرب أن هذا القبر لا أساس له من الصحة وهناك أدلة ليس هنا محل الحديث عنها ويظهر أنه بني في الثمانينات قام على تشييده احد الأشخاص من قرية بوري لا أدري بحقيقة تتبعه للشخصية والقبر وليس من المتثبتين في ذلك والله العالم بحقيقة الحال ولكن المتعارف عليه عند كل من سبر أغوار كتب التاريخ أن صاحب هذا القبر مجهول الهوية على فرض وجوده . فأما لقب بربغي فقد الصق إليه لكونه وقع في منطقة تعرف بهذا الإسم كما حصل في مسجد الشيخ محمد سبسب فقد غلب إسم المنطقة على إسم صاحب القبر ولعله من المنطقة نفسها وماعهدنا أن لهذه المنطقة أمراء . وذهب البعض لكون صاحب هذا القبر هو والد الشيخ الدمستاني وهو بعيد جداً فوالد الدمستاني مدفون في عالي حويص وقبره بقرب العين بحسب نقل الشيخ عبد الله العرب في حاشية أنوار البدرين . ونقل الشيخ إبراهيم المبارك في كتابه حاضر البحرين وماضيها مانصه [ أمير محمد في طرف عالي من الغرب ، وعليه قبة بنيت في قريب العهد ، ولم نعرف عنه شيئاً ولعل إمارته تلك قيادة جيش كأمير زيد ] ويظهر من عبارته هذه أنه يقصد مسجد أمير محمد الموجود في عالي ولو كان مسجد وقبر أمير محمد بربغي موجودا في زمن شيخ إبراهيم لذكره خصوصاً وأن الشيخ توفي في العام 1979م _ 1399هـ ومعلوم أن مسجد أمير محمد الموجود في عالي بني في السبعينات وربما بني قبل ذلك أيضاً فما سر أن الشيخ إبراهيم المبارك لم يذكره في كتابه ضمن مزارات البحرين . وأما أمير محمد بربغي فقد بني في الثمانينات ولكن بني على أي مستند أو دليل الله العالم . وسألت الحاج سلمان نفسه الذي حاول أن يميز بين ( أمير محمد ) وهو الموجود في بربغي و ( مير محمد ) وهو الموجود في عالي ،فلم أجد جواباً يطمأن له حول التثبت من صحة وجود قبر هنا وكيف كانت معالمه وكيف عرف أن صاحب هذا القبر يحمل هذه التسمية ولماذا خفيت على الشيخ إبراهيم رغم أنه عاش حياته في هذه المنطقة واطلع على خفاياها ، كل هذه القرائن تجعلنا نؤكد أنه لا صحة لهذا القبر ونسبته ولا يفهمني البعض أنني أدعو لإزالته وحجب الناس عن زيارته بل هو مسجد وله أحكام المسجدية وحرمة المسجد إنما الكلام عن القبر وصاحبه فقط ، أما مسألة الكرامات التي يقولها البعض فليست بدليل ولا أمنع الناس من عقيدتهم في هذا المسجد والمزار بل أتكلم بصفة التحقيق لا غير وعلى الناس الحكم بعد كل هذه الأدلة والقرائن .


9- وقفة على نواحي بربغي

ومما سنح بالخاطر من الأبيات الشعرية على أنقاض هذه المنطقة القديم والمندثرة من تاريخ البحرين هذه الأبيات القليلة وهي في إحدى وقفاتي على أطراف بربغي فقلت :

وقفت ببربغي فرأيت أمساً ***يموت النخل منه على التوالي
وفي الأطلال أشباح تراءت *** كأن حقيقةً تبعت خيالي
فأين الماء قد ضمئت حياةٌ *** إليه فهل يفيق من الزوال
وهل عدمٌ جذوع النخل كانت *** وقد ملأت بذكراها أوالي
فسائل أينها جنات أرضي *** تجب عن أنة التاريخ عالي

وكتب بشار عبد الهادي العالي البحراني
في 21 ذي القعدة 1430 هـ

مصادر البحث :
1- مقابلات شخصية مع كبار السن وبعض مؤسسي المساجد
2- ديوان أبي البحر : تحقيق عدنان العوامي ، مؤسسة الإنتشار العربي .
3- الأطلس العربي المصور جيوبر وجكتس دولة البحرين .
4- عقد اللآل في تاريخ أوال
5- ماضي البحرين وحاضرها
6- مجموعة وثائق مصورة عند الباحث
7- المعجم الذهبي ، فارسي / عربي الدكتور محمد التونجي .
8- أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين للنويدري