الاثنين، 25 أبريل 2011

الأشراف في القرنين التاسع والعاشر

الشجرة الموسوية القارونية في البحرين ( الحلقة السادسة )


تنويه : السادة القارونيون وجودهم أقدم من القرنين التاسع والعاشر ولكننا نؤرخ بحسب الوثائق ، وليس القرائن ، وإلا فالقرائن تفيد أن وجودهم يمتد لأكثر من القرن الثامن ولحين تكامل البحث والمصادر ستكون العناوين مختلفة

المقدمة :
وهي من أقدم الأشجار الحسينية الموسوية في البحرين ، والأكثر انتشاراً في ربوع جزيرة أوال ، وخصوصاً في قرى ومناطق أوال ، ومنها تفرعت أشجار كثيرة ، في الخليج ، مثل ( أبوظبي ) ، و (دبي) ، و( بندر لنجة) ، و(القطيف) ، و(الكويت) ، وربوع إيران على سعتها ، وربوع العراق ، وسنتعرض في طي البحث إلى هذه الإنتماءات بعونه تعالى ، والبحث يقع في عدة محاور :-

المعقّبون من ذرية الإمام موسى بن جعفر (ع).

تنتمي هذه السلالة الطاهرة ، بل وأغلب السادة الأشراف في البحرين، إلى الإمام السابع من أئمة أهل البيت عليهم السلام ، موسى الكاظم ، بن جعفر الصادق ، بن محمد الباقر، بن علي بن الحسين زين العابدين ، بن الحسين السبط الشهيد ، بن علي بن أبي طالب ، وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ابنة سيد الكائنات النبي محمد صلى الله عليه وآله ، فمن هذه الصفوة يذكر علماء النسب في مصنفاتهم المعتبرة والمعول عليها أن للإمام موسى بن جعفر من الذرية من بارك الله في نسلهم حتى ملؤوا بقاع الأرض بأنفاسهم المباركة .
ويعتبر الإمام موسى الكاظم (ع) من أكثرالأئمة ذرية ، فبحسب مانقله صاحب المجدي في أنساب الطالبيين حكاية عن الأشناني تسعة وخمسون ولداً ، موزّعين بين الذكور والإناث بين سبعة وثلاثين بنتاً ، واثنين وعشرين ذكراً . وفي النفحة العنبرية لليماني الموسوي نقل أن عدد الذكور ثلاثة وعشرون ، وعليه يكون المجموع ستين ولداً بين ذكر وأنثى . وهو ما ذكر في كتاب ( عمدة الطالب ) .
إلا أن مايهم علماء النسب هو ( الولد الذكر) فإن كان له أولاد ذكور فيُقال له ( مُعقّب ) ، وإن كانت ذريته من الإناث يقال له ( مئناث ) ، وإن مات صغيراً يقال له ( دارج ) أو مات ولم يكن له ولد أو كان له ولد لم ينجب يقال له ( منقرض ) على مايذكره علماء الأنساب في مؤلفاتهم .

واستطراداً للفائدة نقول : إن المعقبين من أولاد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام على ماذكره الفخر الرازي في كتابه ( الشجرة المباركة في أنساب الطالبية ) أحد عشر ، وأما الذين اختلفوا في أعقابهم فهم أربعة ، وأما الذين اتفقوا على أنهم ما أعقبوا فهم عشرة ، وعليه فبحسب نقل الرازي يكون الأولاد الذكور من الإمام موسى بن جعفر خمسة وعشرين ذكراً ، وهو خلاف مانقلناه سابقاً عن صاحب المجدي ، وعن غيره أيضاً وهنا ننقل ما اتفق عليه النسابون _ بحسب الفخر الرازي _ في ذكر المعقبين من أولاد الإمام موسى بن جعفر وهم كالتالي : (1) علي الرضا _عليه السلام _ (2) إبراهيم الأصغر (3) العباس (4) إسماعيل (5) محمد (6) عبد الله (7) عبيد الله (8) الحسن (9) جعفر (10) إسحق (11) الحمزة . وأما صاحب النفحة العنبرية فقد أخرج من هذه القسمة الحسن ، فعنده الذين أعقبوا بغير خلاف عشرة فقط . وأما العقيقي صاحب كتاب المعقبين من ولد أمير المؤمنين ، فقد ذكر أربعة عشر ذكراً للإمام الكاظم ، ويبدو أنه جمع بين عنواني ( المعقبين بلا خلاف بين النسابين ) و ( المعقبين الذين اختلف فيهم ) ، وهذا مايجعل الأرقام غير ثابتة من مصدر لآخر .

من هو السيد محمد ( العابد ) ؟

السيد محمد بن موسى بن جعفر والذي يلقب بـ( العابد ) ممن اتفق علماء النسب على كونه من المعقبين من أولاد موسى بن جعفر ، وكان زاهداً ، عابداً . ونقل الشيخ المفيد في إرشاده : كان محمد بن موسى من أهل الفضل والصلاح ، ونقل عنه ( وكان ليله كله يتوضأ ويصلي ) ، وتوفي محمد بن موسى في شيراز ودفن بجانب أخيه أحمد الذي يلقبه الإيرانيون بـ( شاه جراغ ) أي ملك النور ، ومن هذا السيد الجليل يتفرع الكثير من السادة الأشراف في البحرين وغير البحرين ، وإن كانت هناك فروع من غير هذا السيد _ في البحرين _ كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى .

تعليق على عقب السيد محمد العابد

في عمدة الطالب لإبن عنبة يقول [ والعقب من محمد العابد بن موسى الكاظم عليه السلام في إبراهيم المجاب وحده ومنه في ثلاثة رجال ....] وفي تحفة الأزهار لإبن شدقم أن عقب محمد العابد في إبراهيم المجاب ومحمد الزاهد نقلاً عن السيد في الشجرة _ بحسب تعبيره _ قال : واقتصر السيد علي تاج الدين بأبي محمد إبراهيم المجاب ، على أن العمري النسابة صاحب كتاب المجدي يقول أن أولاد محمد بن الكاظم (ع) ثلاثة وهم جعفر أولد وانقرض ، ومحمد الزاهد النسابة رحمه الله مقل ، وإبراهيم الضرير الكوفي منه عقبه . وكذّب السيد النسابة الأعرجي في كتاب مناهل الضرب من ينتسب للعابد من غير ابنه إبراهيم ، وذكر مثالاً ، ومن ضمن كلامه في عقب محمد العابد أنه قال : [ وعقبه من ابنه إبراهيم المجاب وحده ، ومن انتسب إليه من غيره مبطل لامحالة ] والمتحصل أن عقب محمد العابد منحصر في إبنه إبراهيم والمعروف بالمجاب .

ومن ناحية ثانية وهو مايهم بحثنا بشكل أكبر هو عقب إبراهيم المجاب فأكثر المصادر تشير إلى أن عقب إبراهيم المجاب في ثلاثة وهم ، محمد الحائري ،و أحمد بـ( قصر ابن هبيرة ) ، وعلي بـ( السيرجان ) من (كرمان ) وهو الموجود في أغلب كتب النسب مثل / ابن عنبة في عمدة الطالب ، وابن شدقم في تحفة الأزهار ، والشجرة المباركة للفخر الرازي مع اختلاف في عدد ذرية إبراهيم الضرير واختلاف في ألقابهم ومناطقهم لايضر ببقاء أصل الأسماء إلا أن الفخر الرازي قد أضاف إسماً لأبناء إبراهيم المجاب وهو موسى الأرجاني ، وقال : كلهم بـ(سيرجان) ، بالإضافة إلى أنه لم يسم محمد بـ(ـالحائري ) بل لقبه بلقب آخر وهو محمد قشير . ووصف الفخر الرازي في ختام حديثه عن هذا الفرع بقوله : وأما موسى وأحمد ففي عقبهما قلة . _ انتهى _ وذكر صاحب كتاب النفحة العنبرية وهو من النسابين من القرن التاسع مثل كلام الرازي من قوله أن أولاد إبراهيم المجاب أربعة وذكر أسماءهم مجردة كما هو الحال من كلام الرازي .
ثم إذا نزلنا من إبراهيم المجاب إلى إبنه أحمد الذي ذكروا أنه بسيرجان وهي إحدى مدن إيران تسكت الكثير من الكتب عن متابعة هذه الذرية المباركة سوى أن البعض يذكر أسماء متفرقة لا بشكل مفصل عن المعقبين والمنقرضين منهم ، وبالتالي يفقد البحث عنصراً منقطعاً يحتاج وصله إلى مشقة ومتابعة كل كتب الأنساب وتحصيل المعلومة منها وهو أمر شاق في أغلب الأحايين . فعندما يصلون إلى أحمد ابن إبراهيم بن محمد بن موسى الكاظم (ع) يذكرون ابنه ( حمزة ) وجملة متفرقة من ذراريه ، وقل أن يذكروا حسيناً الذي هو جد للسادة القارونيين ، إلا أننا نقول إن عدم تعرضهم للذرية لاينفي اتصالها نسباً بالسيد أحمد لأنهم لم يذكروا أنه كان منقرضاً بل له ذرية إلا أنه مقل ، بالإضافة لوفرة القرائن على بقاء الذرية ، وكذلك احتفاظ هذه السلالة بوثائق يقرها النسابون كل ذلك يشكل اطمئناناً لصحة هذا النسب ولعلنا نقع على مصدر من كتب الأنساب _ المختصة _ يرفع عنا عناء البحث الجزئي ليوصلنا للمعلومة مباشرة .


التسلسل من السيد محمد ( العابد ) إلى ( القارون )

وهنا نذكر تسلسل هذا النسب الطاهر من محمد العابد ابن موسى بن جعفر حتى السيد ( علي الملقب بقارون ) ومنه تتفرع هذه الدوحة المباركة والذرية الطاهرة تاركين بقية الفروع التي تتفرع من هذه الغصون وإلا لخرج البحث عن موضوعه وتهنا عن مقصدنا الذي ننشده من هذه الكتابة فنقول والله المستعان . بعد مراجعة أكثر من شجرة نسب ومصدر، نستطيع أن نضع هذا التسلسل النسبي من السيد محمد بن موسى الكاظم (ع) وصولاً إلى السيد علي الملقب بـ( قارون ) الجد الأعلى للأسرة القارونية في البحرين .
موسى بن جعفر الكاظم (ع) = محمد العابد = إبراهيم ( الملقب بالمجاب ) = أحمد ( الملقب بسيد السادات) = حسين = جعفر = علي = موسى = حسين = محمد = حمزة = يوسف = أحمد ( محمد بحسب الشجرة السارية ) = حسين مصري = محمد ( الملقب بالمرتضى ) = سليمان = ناصر = علي = سليمان = علي( الملقب بقارون بحسب المحقق تبريزيان ) .

التعليق على هذه السلسلة :
1- يتفق عليها كل من [ مشجر السادة الساريين ، كتاب شجرة النسب العلوية والأسرة الصالحية ، ورقة بهذه النسبة اتصالاً بالإمام الكاظم عليها تصحيح السيد المرعشي وختمه ، فارس تبريزيان الذي حقق في نسب السيد هاشم البحراني في كتاب : العلامة السيد هاشم البحراني ] فكل هذه المصادر متفقة على هذه السلسلة . إلا أنه في إسم (علي) بن ناصربن سليمان لم يرد في شجرة الساريين ، ونقله الشيخ فارس عن مصدرين آخرين هما ،كتاب جامع الأنساب للروضاتي ، وكتاب الروضة النضرة للطهراني . ويبدو أنه سقطٌ سها عنه المشجّر، في الأسرة السارية .
2- بعد مراجعة دقيقة لكتاب [ المشجر الوافي بطبعته المتأخرة ج1 ، القسم الأول ] أورد ماسقط وأسلفنا ذكره في النقطة الأولى ، إلا أنه لديه سقط آخر ، فقد ذكر السلسلة هكذا ، يوسف = حسين المرتضى = محمد = سليمان . وهو اشتباه منه بعد مراجعة أكثر الأشجار ويبدو أنه اعتمد مشجراً فيه سقط ولحين أطلع على مصدره لا يمكن أن أبت وأقطع بشئ والله تعالى العالم .

من هو قارون وماهو سبب تلقيبه ؟

هناك خلاف في المصادر حول الشخصية التي لقبت بـ(قارون) ومنه انتقل اللقب إلى بقية الفروع التي دونت أنسابها بلقب القاروني ، ويمكن أن نستخلص هذه الآراء الأربعة وهي :
1- الجد الثالث للسيد هاشم [ علي بن سليمان بن علي ] وهو رأي الشيخ تبريزيان . في كتابه عن حياة السيد هاشم
2- الجد الخامس للسيد هاشم [ علي بن ناصر بن سليمان ] وهو رأي آية الله المرعشي بحسب المخطوط الذي وثقه السيد رحمة الله عليه وهو عند أحد أحفاد السيد هاشم .
أما السيد محمد صالح في كتابه [ شجرة النسب العلوية ] فقد تردد عنده إطلاق لقب ( قارون الزاهد) على شخصيتين وهما بحسب تردده دون ترجيح لأحد منه وهما :
3- الجد السابع للسيد هاشم وهو [ سليمان بن محمد بن حسين] كما في كتاب شجرة النسب العلوية .
4- الجد الرابع للسيد هاشم وهو [ سليمان بن علي بن ناصر ] كما في كتاب شجرة النسب العلوية .
فنحن إذاً بين أربعة احتمالات حول من يكون صاحب هذا اللقب الذي من خلاله التصق في شجرة هذه السلالة الموسوية .

الرأي المختار في المسألة

وأما أنا وبحسب بحثي واطلاعي القاصر فأميل للقول بأن الذي لُقب بقارون هو الجد السابع للسيد هاشم البحراني وهو ( سليمان بن محمد بن حسين ) ، وذلك لعدة اعتبارات وهي :
1- كون هذا الإحتمال ذكره السيد محمد صالح ضمن بحثه وتنقيبه وهو ابن هذه الشجرة وإن لم يكن قد اختاره بشكل دقّي إلا أنه قد ذكر هذا الإحتمال فهو وراد .
2- أن السيدين الجليلين ( ناصر بن سليمان ) و ( محمد بن سليمان ) وهما متقدمان على كل من في هذه السلسلة _ ممن وردوا ضمن الإحتمالات _ وقد لقبا بلقب القاروني كما يظهر ذلك جلياً في تتبع ديوان أبي البحر الخطي وحتى لما راجعت النسخ الخطية القديمة وجدت لقب القاروني قد التصق بهذين السيدين دون من قبلهما في السلسلة ، والتصق فيمن جاء بعدهما في السلسلة ، وحيث كانت وفاتهما بين ( 1008هـ _ 1011هـ) بحسب الروايات الواردة فبالتالي هما قد تلقبا بهذا اللقب فلا مناص من كون والدهما هو الذي لُقب بهذا اللقب وإلا للزم أن يكون هذا اللقب لأحدهما دون الآخر وبالتالي فالأصح أن يكون السيد سليمان هذا هو الذي لُقب بلقب ( القارون ) ومنه أخذت الأسرة لقبها _ والله العالم _

ولا يبعد أن أحفاده من بعده قد سلكوا مسلكه في الزهد فكان اللقب أشد التصاقاً بهم وبالتالي حصل لنا التعدد في لصق اللقب بأحد هذه السلسلة الكريمة .
أما سبب التصاق اللقب بهذا السيد فهو لشدة زهده في الدنيا ، وعدم تملكه شئ من حطامها ، كما يطلقون أحياناً كلمة ( بصير) على الرجل الكفيف إعلاءاً لشأنه وتبياناً لحاله عن طريق ذكر خلاف ماهو عليه ، أو للإشارة والتدليل على حاله ، فلقب هذا السيد بلقب ( قارون) للتدليل على خلاف حال قارون الذي اكتنز المال ، وفي بعض المصادر تسميه بـ( قارون المال) دون الإقتصار على كلمة قارون . وفي بعضها ( القارون الزاهد العابد) ، وهذا اللقب شائع على هذه الأسرة ومثبت في المشجرات فلا داعي لإثباته كثيراً فهو مشهور. وأياً كان صاحب اللقب فعدم معرفته لا يضر هذه الشجرة ، فشجرة النسب سليمة وصحيحة ومثبتة بالأدلة ، وهذه الحيثية لاتضر بأصل وفروع ماهو مدون في كتب الأنساب لأنها لقب زائد على الأسماء المتفق عليها .
26 أبريل 2011م
_ والحمد لله أولاً وآخرا وللحديث بقية _

الأحد، 24 أبريل 2011

حقائق قرآنية في المدد الإلهي : المحاضرة الثانية

المدد الإلهي في موقعة بدر
بسم الله الحي الذي لايزول ، والصلاة على النبي الهادي للحق بفطرة العقول ، وعلى آله مصابيح الدجى ، وسراة الأنام في الخطب المهول ، أما بعد فنواصل حديثنا عن حقائق القرآن وإشراقاته .
يقول الحق تبارك وتعالى : [ ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلةً فاتقوا الله لعلكم تشكرون ] آل عمران : 123 .
في هذه الآية يذكّر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين في ذلك الزمان ، وفي هذا الزمان أيضاً ، وفي كل الأزمنة عن مسألة مهمة وغاية في الأهمية وهي أن النصر الإلهي أعده الله ليهزم كل المقاييس ، ويخطّئ آراء كل المحللين السياسيين ، وتفكيكهم لرموز اللعبة السياسية ، ليقول لهم أن إرادتي وما أريده هو وحده الذي سيكون على الواقع ولن تكون هناك إرادة متحققة في الواقع لأي قوة من القوى مهما بلغت .
وكانت وقعة بدر وهي أولى معارك المسلمين بكل المقاييس معركة فريدة من نوعها ، فأطرافها غير متكافئة ولو جعلنا من أنفسنا محللين سياسيين كما هو الحال اليوم لقلنا أن الرهان خاسر وهي حرب خاسرة ، ولربما يقول آخرون أن هناك فرق بين بدر وواقعنا في الأمة الإسلامية ، فتلك معركة قد هيّأ الله لها سبل النصر ، وهي معركة المسلمين الأولى فإرادة الله هناك مقترنة بمصلحة إلهية وهي بقاء الدين وبقاء أصله وصيانة له من الإجتثاث أعطى الله المؤمنين النصر ، وهذه الأمور غير متحققة في باقي الأزمنة .
ونقول : إن أصل المسألة هي نصر دين الله وإعلاء كلمته ، وباقي الأمور هي زيادات تختلف بها الأزمنة والأمكنة والمواضيع ، فالعبرة بالأصل ، فلن يتخلى الله عن عباده في زمن وينصرهم في زمن وإلا للزم أن تلغى جملة من العقائد الإلهية لا سمح الله وهذه الأمور يقدرها الله سبحانه وتعالى . وما يهمنا هو أن واقعة بدر كانت درساً إلهياً لقنه الله للطرفين على حد سواء للمؤمنين يقول أن الله دائماً معكم بقوته ونصره ، ولأعداء الله ليقول لهم أنكم بقوتكم وجبروتكم لن تصنعوا نصراً ولن تذلوا أوليائي وأحبائي ، إذاً فهي حرب أولياء الله وأعداء الله ، وبهذا المقياس تختلف الموازين .
يحدثنا التاريخ أنه في يوم بدر حيث لم تتكافأ الضفتين ، فجيش الكفر مدجج بجيوش متحالفة من القبائل والأعراب ، والإمكانيات كانت مختلفة ، والتجهيزات بحسب ذلك الزمان كانت في أعلى مستوياتها بمعنى أن المقدمات كانت تشير لغلبة طرف الكفر في معادلة الصراع بحسب المنطق . أما جيش الله الذي لم يكن يمتلك العتاد ولم يكن يمتلك الخيول والسيوف والتجهيزات المهمة للقتال فهو بحسب المعادلة المنطقية يصعب عليه أن ينتصر ميدانياً ، لكن جيش الله يمتلك في قلبه ( الله ) وهو بالتالي يمتلك المصدر المهم الذي يغير كل معادلات العالم وكل أسس المنطق ومداخلاته في المعادلة .
وحيث تنقل لنا المصادر موقفاً يختصر علينا الكثير من المسير فيقول المحدّث : [ لما كان يوم ‏ ‏بدر نظر النبي ‏ ‏صلى الله عليه وآله ‏إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي ‏ ‏صلى الله عليه وآله ‏القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال ‏ ‏اللهم أين ما وعدتني اللهم أنجز ما وعدتني اللهم إنك إن تُهلك هذه ‏ ‏العصابة ‏ ‏من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا ] . اللهم إن هؤلاء آمنوا بك وفعلوا ما أمرتهم وهيئوا ما أمرت به ونحن ننتظر وعدك وننتظر أن تنجز لنا ماوعدتنا . فبذهابهم وبهزيمتهم تعلى راية الكفر وبهزيمتهم لن يكون ثمة مؤمن في الأرض ، وبعدم انتصارهم لن يكون عابد يعبدك على الأرض ، فهم ينتظرون نصرك وتأييدك . فكان النصر حليفهم رغم كل التحديات . هذه المعادلة هي التي تسحق الكثير من التكهنات لتضع أمام أعين العالم المعادلة الإلهية في تحقيق النصر . ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ( أذلة ) كانت قريش تعتبر هؤلاء أمام عظمتها وجبروتها أذلاء ، وكانت الإمكانيات ضعيفة ولكن ليس هناك أمر صعب على الله سبحانه وتعالى الذي حول ضعف هؤلاء إلى انتصار وجراحهم على مدى سنوات طويلة من تعذيب الكفار لهم في مكة ومحاولة إذلالهم وردعهم عن دينه تعالى حولها إلى انتصار يبهر العالم ويحدث به التاريخ ويخلده الله في كتابه ليقرأه كل مسلم وينشده كل مسلم ويهتف به كل مؤمن يعيش ضعفاً أو استضعافاً ليكون منتصراً ، يقول الحق تبارك وتعالى : [ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ] القصص :5، هذه المعادلة مضطردة حتى قيام الساعة وليس عنها تحول ولاتبدّل ، وتكون الغلبة دائماً لأهل الله وخاصته ، وأهل توحيده الذين عرفوه واهتدوا إليه ، وكان الناس في بعد عنه وفي ضلالاتهم يعمهون ، انتصر المؤمنون و هؤلاء لا يتركهم الله ولا يتخلى عنهم فهو معهم لأنهم كانوا معه دائماً .
والحمد لله أن جعل إشراق أنواره علينا أملاً لا ينقطع عن فهم نصره ، اللهم عجل لوليك الفرج ، وأمددنا بلطف عنايتك وارحم المؤمنين وأمددهم بقوتك يارب ( محاضرة ألقيت في أوائل أبريل )

الأربعاء، 6 أبريل 2011

كلمات من الحقائق القرآنية : المحاضرة الأولى

حقائق القرآن بين النظريات والقوانين

بسمه تعالت أسماؤه المجيدة ، والصلاة على الساكن في العرش من الوجود ، وعلى آله الأتقياء الذين صانهم الله في ملامح الخلود ، وبعد : فقد يتصور الكثير من المسلمين الذين ماعرفوا من الإسلام إلا الصورة وابتعدوا عن المضمون والحقائق الجوهرية لهذا الكتاب العظيم ، أن القرآن هو مجرد نظريات يتفوه بها الإسلاميون في تحركاتهم ويتشبثون بها في حروبهم الفكرية وغيرها ، على أننا لو رجعنا لحقيقة القرآن الكريم وحقيقة آياته المباركة لوجدناها تبتعد عن جو النظريات لتدخل إلى عمق الحقائق ، ولذلك حين يستند الإسلاميون في حركاتهم لآيات الكتاب العظيم فإنهم يستهدون بنور حقائق الله بوعده ، ووعيده وقبل الغوص في الآيات القرآنية ، نلفت الإنتباه على أن المراد من الإسلاميين في هذه المحاضرة هم من حرّكهم الوعيُ الدينيُ الأصيلُ النابعُ من الفطرة النقية الغير ملوثة بشوائب السياسات العفنة والتي تحركها أيدي الطواغيت في الأرض والذين أفرغوا الدين من محتواه ليجعلوه ( لعقاً على ألسنتهم ) كما يقول الإمام الحسين عليه السلام . سنحاول أن نعيش مع كتاب الله وهو يستجلي الواقع الإنساني المرتبط بهذه الحياة في كل تفاصيلها وزواياها ليرسم لهذا المخلوق خطوطه العريضة ، وواقعه الممنهج على أنه حقائق وليس بنظريات قابلة للتوهم والنقض بغيرها ، ومن خلالها يعيش المسلم يومه بكل تفاصيله ، وصراعه بكل تطلعاته ، وغده بكل إشراقاته ، حيث يبقى القرآن الكريم ربيعاً دائماً لحياة الإنسان ، وحتى لو حاول اليأس أن ينخر في طريقه ليحبطه تارة أو يتغلغل لمفاهيمه تارة أخرى فسيبقى القرآن هو الحقيقة التي لا مجال للبس فيها وهذه مجموعة أو قل باقة من الورود الإلهية لك أيها المسلم المؤمن الذي ينتظر الصحف لتضيف لتكهناته شيئاً هنا ، أو يتابع قناة لتضيف ليأسه بارقة أمل هناك ، أنت أمام كتاب الله وذكره تعالى الذي وصفه سبحانه بقوله : [ الذين آمنوا وتطمئنُ قلوبُهم بذكرِ الله ألا بذكرِ الله تطمئنُ القلوب ] الرعد :28 ، فهذه أول الحقائق التي تطالعنا وهي أن مبدأ الإطمئنان والثبات النفسي هو ذكر الله جل وعلا واللجوء له سبحانه وتعالى ، فالقرآن هو الذكر أيضاً بأبهى صوره ، وفي المقابل فإن الإبتعاد عن الذكر الإلهي هو سبب لتغلغل اليأس والهزيمة النفسية وغير النفسية ، يقول الحق تبارك وتعالى :[ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ] الحشر : 19 ، فإننا أمام خيار مهم وهو أن يستمر إتصالنا مع الله سبحانه وتعالى دون انقطاع لأنه سببٌ مهم في بقاء الإطمئنان النفسي والثبات الذي من خلاله يكون الإنسان قوياً في حركته وتحقيق تطلعاته . ويقول تعالى في سياق خطابه الأعلى للمؤمنين في بدر بعد المدد الإلهي [ وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ] الأنفال :10 ، وهنا نلاحظ أنه بعد أن يتمكن الإطمئنان القلبي والنفسي من المؤمن فإنه يصبح قريباً من نصر الله تعالى ، على أن الحقيقة التي يؤكدها هنا هي أنه لا نصر في واقعك أيها الإنسان سوى نصر الله لك ، وكل ماسوى حقيقة النصر الإلهي هي أوهام ( وما النصر إلا من عند الله ) بمعنى أنه من غيره تعالى لا يكون نصر لك أيها الإنسان المؤمن . إلى هنا حديثنا عن نفسية الإنسان المؤمن في صراعها وحركتها على أرض الواقع ولكن هناك مواجهات لهذه المؤمن الذي هيأه الله عبر برنامجه الذي فرضه عليه من خلال منظومة الدين من عباداتها ومعاملاتها حيث يفترض أن هذا المؤمن المهيأ للصراع بتهيئة وتنشئة إلهية وبرمجة لنظامه الحياتي قد أصبح مؤهلاً لأن يجني ثمار نشأته الإيمانية وتربيته الإسلامية في خضم صراعاته وعلى كل المستويات . - لماذا يخطئ من يبحث عن نصرٍ من غير الله تعالى ؟ نعم يخطئ من يبحث عنه من غير الله تعالى ، لأن الله سبحانه وتعالى في نظام الكون ومنظومته ، هو الواجب الذي يسبب الأسباب ويهيؤها ، طبقاً لنظام عدله ، وحكمته التي تتصرف في كل صغيرة وكبيرة في نظام الكون ، وإن كانت خلافاً لأهواء الناس ومخططاتهم ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فليس لهذا الإنسان قوة تذكر إلا وهي ممنوحة له ومسلوبة عنه ، فليس المرء هو عين القوة ومصدرها ، وإنما الإنسان يُمنح هذه المنحة فيقوى على الحركة وهو جنين في الشهر الرابع في بطن أمه وسط ظلمات الرحم ، ثم تزداد وتشتد حتى تبدأ بالتراخي وتسير نحو العدم ، حيث يبدأ الإنسان في حال الإحتضار سلب القوى الممنوحة له وهذه الحقائق يذكرها القرآن في حديثه عن الإنسان ، يقول الحق تبارك وتعالى : [الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير] الروم : 54 ، نعم هذه هي المعادلة الإلهية مع الإنسان ، يمنح الله له ثم يسلب عنه ، ضمن مراحل معينة من حياة الإنسان ، على أن الذي يمنح ويسلب يمتلك قوة لا تنضب ولا تتبدل ولا تبلى بل كل قوة وحركة صادرة من تلك القوة هي امتداد لقوته وقدرته فلذلك تتأكد لنا هذه الحقيقة العظيمة وهي أنه [ لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ] هذا الذكر الذي ورد في بعض الروايات أو الآثار أنه الإسم الأعظم ، هو سر من أسرار الله لا يعيه الكثير من الناس وإن لفظته أفواههم ، ولكنه في معادلة الصراع والحركة أمر يهيمن على الإنسان لينتقل من كونه مجرد ذكر لفظي إلى ذكر عملي لهذا الإنسان . ويقول العلامة السبزواري في منظومته : أزمةُ الأمور طراً بيده * والكلُ مستمدةٌ من مدده

فكيف يبحث الإنسان في مسيره وحركته عن قوة تمنحه النصر أياً كانت هذه القوة وأياً كان مصدرها ، فغير الله لا يعطيك نصراً لأن فاقد الشئ لا يعطيه ، إننا نثق بالله وبحكمته في إدارة نظام هذه الدنيا وإدارة أمورنا المسيرين والمخيرين فيها ، لذلك لانملك إلا أن نتوجه إليه في كل أمورنا وحياتنا وفي ختام هذا الحديث نسأله تعالى أن يمدنا بحوله وقوته إنه سميع مجيب ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم _ جزء من محاضرة ألقيت في شهر مارس 2011م _

الأحد، 6 فبراير 2011

الأشراف في القرن التاسع

تاريخ السادة الأشراف في البحرين ( الحلقة الخامسة )
_النقيب البحراني_ ( تتمة )
الحمد لله والصلاة على رسول الله ، وآله خير خلق الله وبعد : فقد انتهى بنا الحديث عن الكلام حول ذكر لنقيب تلقب بالبحراني وحول نسبه وهانحن نكمل الكلام عنه
الثاني : من الأسر الهاشمية التي لقبت بهذا اللقب ( العبيدلي) مع احتمالية التصحيف من العبيدلي إلى العبدلي ، وقد وقع هذا كثيراً في أعلام البحرين ، من القرن التاسع والعاشر الهجريين ، كما هو الحال في الشيخ داود بن أبي ( شافيز ) أو ( شافين ) أو ( شاهين ) وكإسم الشيخ حسين بن علي بن أبي ( سردال ) أو ( سروال ) ، أو كإسم الشيخ السيوري ، حينما صحفت ، وغيرها الكثير من الأمثلة ، والذي يقوي هذا الظن كون مسمّى العبيدلي وقع في السادة الأشراف ، والذين ينتهي نسبهم للإمام زين العابدين عليه السلام من طريق ابنه الحسين الأصغر ، وهو والد عبيد الله الأعرج ، ومنه سلالة العبيدليين ، ومنهم نقباء ونسابون أيضاً مثل ، شيخ الشرف العبيدلي والمتوفى في ( 435هـ) وهو أستاذ الشريفين الرضي والمرتضى ، واسمه محمد بن محمد ، وهو غير الشريف يحيى بن الحسن العقيقي العبيدلي صاحب كتاب المعقبين ، المتوفى في 277 هـ فإنه يلقب أيضاً بشيخ الشرف العبيدلي ، ومنهم أيضاً ، أحمد بن مهنا العبيدلي صاحب كتاب ( التذكرة في الأنساب المطهرة ) المتوفى في حدود 675 هـ ، والنسابة الأعرجي الكبير السيد جعفر صاحب ( مناهل الضرب ) من العبيدليين أيضاً ، فكلمة العبيدلي يمكن أن تكون رقماً لا يستهان به في عالم النسابين والأشراف ، هذا وقد قطن البحرين جماعة من العبيدليين من غير الهاشميين وأصولهم تعود لبر فارس منهم بالأمارات المتحدة وقطر والكويت وهم من العبادلة ، ولا يصح منهم نسب هاشمي وأربابهم لا يدعون النسب الهاشمي أيضاً .
هذا كله لو حملنا لقب العبدلي على النسب الهاشمي ، والرفاعي على أنه نسبة لمكان كما هو حال (الرفاع) منطقة من جزيرة البحرين ، أو نسبة للشيخ الرفاعي الكبير _ إلى طريقته _ كما هو الحال في الإنتساب لكثير من الصوفية والمذاهب السنية فينتسبون لمالك فيقال مالكي أو للشافعي أو الحنبلي وهذه النسبة شائعة عندهم ، كما ينتسب الصوفية منهم إلى الطريقة فيقال له الشاذلي طريقة ، أو الجيلاني ، أو الرفاعي بحسب انتمائهم للطريقة الصوفية والشيخ الذي تنسب إليه .

المستوى الثاني : إحتمال كون النسبة إلى الشيخ الرفاعي نسباً ، إلى جده رفاعة ، وبالتالي فيكون لقب العبدلي هو اللقب الأدنى واللقب الأعلى هو الرفاعي ، كما يقولون ( الموسوي الحسيني ) فالنسبة لموسى هي الأدنى والنسبة للحسين هي الأعلى وهذا متعارف في كتب الأنساب ومشجراتهم . أما من يكون العبدلي هذا فالله العالم ، سيما أن الإسم عبدلي يطلق على من ينتسب إلى شخص إسمه عبد الله ، وكذلك العبيدلي يطلق على من اسمه عبيد الله ، ولا أظن أن سلسلة الأنساب تخلو من هذين الإسمين ، فعلى هذا الإحتمال يكون العبدلي إسم أدنى في النسب ، والرفاعي إسم أعلى ، وسوف نتكلم عن السادة الرفاعية في البحرين في موضع الكلام إن شاء الله تعالى .
ومما يقوي الظن بكون هذا الشريف من السادة الرفاعيين أمران لا نغض الطرف عنهما :
1-وجود سلالة لهم استوطنت البحرين بقدوم آل خليفة ومنهم من سكن قطر من القرن العاشر . فهم قريبون من المنطقة التي كانت تسمى بالبحرين مجازاً في تلك الأزمنة . فلعل هذا السبب التصق لقب البحراني
2- وجود كتاب مطبوع لأحد أعلام الصوفية وهو: [ العبدلي الرفاعي محمد بن أحمد العبدلي البحريني الرفاعي (لباب المعاني في أخبار القطبين العظيمين الرفاعي والجيلاني) - (من شفاء صدور المؤمنين في هدم قواعد المبتدئين – لعله يريد المبتدعين _ ) بولاق 1307 عبد المجيد (أفندي) خيري ] [ ذكره هكذا معجم المطبوعات العربية / إلياس سركيس ج2 : 1299 ] ، ويبدو أنه من نفس السلالة أيضاً بقرينتي الرفاعي والعبدلي والبحراني التي تحولت للبحريني حتى يتم التخلص من لقب البحراني لدلالته على الشيعة وهوية التشيع في هذه المنطقة .
وخلاصة الكلام حول هذا النقيب :
1- أنه غير معرّف في المصادر ، ولعل وقوف الباحثين على المخطوطة يفتح أبواباً في التعرف على هذا الشريف بل ويفتح أبواباً في نسب الرفاعيين وتصحيحه ، وهو بذلك ينسف بحثنا الذي بنيناه على التكهنات لحين حصول المعلومات التامة الموثقة .
2- كونه (أوالي ) أيضاً شيء غير مجزوم به ، لكون الإسم يطلق على القطيف والأحساء وأوال ، وكون التصوف كحركة دينية انتشر في الأحساء والقطيف كما البحرين فالجزم بكونه بحراني بمعنى الأوالي محل نظر .
3- يظهر أنه على غير مذهب التشيع لعدة أسباب ، أهمها أن غالبية الأشراف الشيعة ينتسبون لأشرف الشرف في عمود السيادة وهم الأئمة الذين ينتمون إليهم فيقال حسيني أو موسوي أو رضوي ، وحتى لو انتسب لأحد آبائه أو قرية ما فإنه لا يترك الإنتساب للمعصوم فيقال مثلاً ، الأعرجي الحسيني أو الغريفي الموسوي ، أو الطباطبائي الحسني ، خصوصاً لو تأملنا في الألقاب الراجعة لتلك الحقبة التاريخية ، وأمر آخر وهو قرينة تضاف لما سبق أن رجلاً علماً مثل هذا وكونه نال نقابة الأشراف في البحرين أو القطيف أو الأحساء كيف لم يدون في الكتب الشيعية فهي قد رصدت من الرجالات من سبقوه ومن الأعلام من جاؤوا قبله فكيف تهمله على هذه الوجاهة إلا لكونه على غير مذهبهم وليراجع الباحث كتب التراجم الشيعية في القطيف والأحساء والبحرين ليرى هذا الأمر واضحاً .
وللحديث بقية
بشار العالي البحراني
في 1 ربيع الأول 1432هـ

الثلاثاء، 25 يناير 2011

السادة الأشراف في البحرين (الحلقة الرابعة)

(القرن التاسع)
نقابة الأشراف في البحرين
اللهم صل على محمد وآل محمد ، واجعلنا معهم ، في هذه الحلقة نتحدث عن نقابة للأشراف في البحرين ورصد تاريخها ومحاولة لإستكشاف بعض خفاياها نسأله تعالى المدد والعون إنه لطيف خبير ، والبحث في ضمن محاور عدة نتعرض لها بالتسلسل وهي :

المحور الأول : بدايات التكوين وأسبابه :

وقد حكمت الظروف نظراً لكثرة السادة والأشراف في البحرين سواء للبحرين بمعناها الأعم أو الأخص ، وسواء للأشراف من السنة أو الشيعة ، أن تكون لهم نقابة ، ولا أمتلك تفاصيل لهذا الأمر بشكل دقي إلا أن تواجد النقباء في البحرين _ بالمعنى الأعم _ كان من القرن السابع الهجري من خلال إقامات بعض النقباء ونزولهم وربما تشكيل تجمع هاشمي في بيئة تحتضن الكثير منهم ، فلو جمعنا القرائن التالية نرى أن وجود نقابة للأشراف والسادة هي تكوين طبيعي وحق إجتماعي فمن هذه القرائن :

1- قدم التشيع في البحرين ومحبتهم للمنتسبين للذرية العلوية ، حيث يمتد التشيع للقرون الهجرية الأولى على انه أقدم المذاهب في أوال بلا نزاع .
2- أدبيات تلك الفترة للمنطقة من مؤلفات وأشعار تنم عن المحبة القوية للذرية الطاهرة وهي باقية لليوم ‘ فيما ترى في المقابل على خارطة الإسلام نزعة عصبية ضد أهل البيت والأشراف حيث قتلوا وشرّدوا .
3- ماذكرناه سالفاً من تواجد للسلالات العلوية في البحرين ، بمعنى أنها أخذت بالنمو عبر قرون حتى القرن التاسع الهجري مما شكلت تركيبة لا يستهان بها من الناس في معدل النمو الطبيعي للإنسان .
4- الإهتمام الكبير لدى العرب بالأنساب سيما من هم في منطقة البحرين ، وهذا الأمر ملموس ليومنا هذا بين القبائل والعرب وحتى الشيعة في تلك الفترة بحسب بعض المنقولات والمؤلفات .

المصدر الذي اعتمدت عليه المعلومة :

ماجاء في كتاب (دوحة السلطان في النسب والنسب القاسمي ) من تأليف السيد حسين الحسيني الزرباطي _ معاصر _ وهو يعدد النسابين عبر القرون حين وصل للقرن التاسع فذكر مانصّه : [ تحت رقم / 196 : السيد علي أبو الحسن ، نقيب البحرين ابن السيد ماجد بن محمد العبدلي الرفاعي البحراني المتوفى سنة 848 للهجرة ] ، وقد قرأت في بعض المصادر أن له تأليفات في أنساب السادة الأشراف وهم ثلاثة كتب ، لم أظفر ، ولم أطلع على شئ منها إلا مجرد المعرفة بوجودها ، ولو أتيح لنا النظر فيها لربما وضعت الكثير من النقاط على الحروف في بحث مثل هذا البحث الذي نحن فيه عن تاريخ السادة الأشراف في البحرين ولربما فتحت معارف جديدة على التاريخ في المنطقة وبهذه السلالة المنتجبة . أما أسماء كتب الشريف العبدلي أو النقيب هذا فهي كالتالي :
1-(الزبدة فيما عليه من ذراري السبطين ) ، وكتاب 2-( العمدة أوعمدة الأحباب في الأنساب ) ، وكتاب 3- ( العدّة في المختار من الزبدة والعمدة ) ، ولا يخفى على المطلع على كتب الأنساب وبالذات العلوي والهاشمي منها هو اعتياد المؤلفين على تسطير أشجار أنسابهم والإعتناء بها لاتصالها بالشجرة المحمدية الكوثرية المباركة ، وبالتالي فأهمية هذا الكتاب على فرض وجوده تكمن في معرفة أصول السادة في البحرين . وهي مايشمل أوال ، القطيف ، الأحساء ، قطر ، وإن كانت البحرين في القرن التاسع أكثر ماتطلق على جزيرة أوال ، بل هناك مصادر أطلقت مسمى البحرين على أوال خاصة من قبل القرن التاسع ولربما كانت هذه قرينة يستفاد بها في بحثنا هنا والله تعالى العالم .على أننا نرى أن العلماء من القطيف أو الأحساء قل أن يستخدموا لقب البحراني بل أكثر استخدامهم لألقاب مناطقهم مثل الخطي أو القطيفي أو الحساوي و الأحسائي أو الهجري ، وغيرها ...ويكتفي الأوالي منهم إما بلقب الأوالي أو بإطلاق البحراني لينصرف الذهن للأوالي دون غيره وهو شائع في مصطلحات القرن التاسع والعاشر فما فوق ، وهذا بحث آخر نبحثه في مكان آخر إن شاء الله تعالى .
معنى النقابة والنقيب :
لكلمة نقيب معنيان لغوي واصطلاحي وبينهما رابط على أساسه انتقل المعنى إلى الإصطلاح ، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى :[ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً ] ، المائدة :12 ، والتي فسرت عند غالب المفسرين بالوجهاء ، والنخبة من القوم الذين لهم رأي وعلى هذا الأساس تم اختيارهم ، وقد اختار النبي من الأنصار إثني عشر نقيباً من قبيلتي الأوس والخزرج كانوا الصلة بينه وبين الأنصار عامة في إدارة شؤون الناس ، إلا أنه في أواخر زمن الدولة العباسية _ حوالي القرن الرابع الهجري _ قد أصبحت مسألة النقابة أو النقيب العلوي مصطلحاً رسمياً معترف به من قبل الدولة فالنقيب هو الزعيم الذي يعيّنه الخليفة لتولي نفقات قومه وإدارة أمورهم إدارياً ، وهو الوجه الذي يمثل تلك القبيلة من الناس والذي يحتكمون إليه فيهم فيكون أمره مسموع ومطاع رأيه ، والخلاصة كما تفهم من كتب التاريخ أن النقابة التي تكون عند الأشراف والسادة هي : [ نوع من الزعامة والرئاسة للأكفاء من الهاشميين حيث يتم تعينهم بشكل انتخابي أو نخبوي ، من عامة أبناء الذرية الهاشمية ، أو يعينهم السلطان ، ليكونوا وجهاءهم _ أي وجهاء الأشراف _ ومقدميهم ومتولي شؤونهم أمام الحكومات وغيرها مما يطلب فيه التمثيل والتقديم ] ، وتكون هذه السلطة الممنوحة في قبال سلطة رؤساء القبائل وشيوخ العشائر عند عامة الناس.
ويمكن أن نحدد هذا اللقب من الناحية التاريخية أنه كان زمن والد الشريف الرضي وهو السيد حسين بن موسى الموسوي من أعلام القرن الرابع الهجري ، وأخذها عنه ولداه الشريفان الرضي المتوفى في العام 406هـ والمرتضى المتوفى 436هـ .
هذا من ناحية اللقب كـ(مصطلح ) وإلا فإن وجاهة العلويين والهاشميين وتعيين المسؤول عنهم من قبل الحكومات كانت موجودة في القرن الهجري الأول فكان الخلفاء في الصدر الأول يواجهون علياً وبنيه خاصة الحسن والحسين فلا حاجة للمنصب هذا ، لكن بعد واقعة الطف وانتشار ذرية الإمام الحسن عليه السلام وذرية جعفر الطيار وبني العباس وذراري الهاشميين ، وذرية علي صار هناك من يتولى صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وعطاءهم وتقسيمه بين الخليفة وبينهم ، وإدارة شؤون أوقافهم التي توقف لهم من الخلفاء وأغنياء الهاشميين لتغنيهم عن ما في أيدي الناس لكون الصدقة عليهم حراماً ، فكان الخليفة يعين من يقوم بهذا الدور ، ومن أبرز الشخصيات التي برزت في ذلك الوقت هو زيد بن الحسن السبط ، وقد ذرف على التسعين كما في بعض المصادر ، ومن بعده ابنه الحسن بن زيد بن الحسن السبط والذي ولاه المنصور الدوانيقي على المدينة ، وغير ذلك من الشواهد التي تعبر عن امتداد هذه الوجاهة حتى أصبحت تعطى لقب النقابة ، في القرن الرابع الهجري . على أنني قرأت ماجاء في مقدمة من قدّم أو حقق لكتاب ( ابن طباطبا ) والموسوم بأبناء الإمام في مصر والشام جاء في المقدمة التي كتبها محمد بن نصار المقدسي ، أقوالاً أخرى نوجزها ، ويقال أن أول من تولى نقابة الأشراف هو النسابة الحسين بن أحمد المحدث من ذرية زيد الشهيد ، وقيل أول من تولاها هو إسماعيل بن الحسين بن أحمد والذي يلقب بالعفيف ، تولى نقابة الأشراف بالشام ولاه عليها الخليفة العباسي المقتدر بالله ، والله العالم بالصواب .
ماهي وظائف النقيب ؟
للنقيب عدة وظائف وهي بحسب الصلاحيات المعطاة إليه من قبل الخليفة أو الحاكم وهي مختلفة باختلاف الأزمنة وسعة هذه الصلاحية ، فقد كان الشريف الرضي له صلاحية في إقامة الحدود على خصوص السادة الأشراف حتى نقل أنه كان يضاعف التعزير عليهم لإنتهاكهم وعدم حفظهم قربهم من النبي صلى الله عليه وآله ، فيما تكون أحياناً النقابة مجرد وظيفة تشريفية لا يكون معها سلطة أو شئ من التنفيذ أو التشريع ، وباعتبار أن مسألة النقابة شئ مستحدث بعد زمن النص والتشريع فلذلك لم يتكلم الفقهاء في وظيفة النقيب أو واجباته إلا بالمقدار الذي يمس الفقه من جهة كيفية تحديد النسب وقبوله أو رفضه وفق الميزان الفقهي ، ومن خلال تتبع الكتب التي لها عناية بهذه الأمور نجد أن للنقيب مهام منها :

1- تولي شؤون الأشراف من أوقاف أُوقفت عليهم ، وإدارتها وغير ذلك ،
2- تمثيلهم أمام السلطات
3- رعاية شؤونهم بشكل عام
4- تسجيلهم _ الأشراف _ وإحصاؤهم في البلد التي يكون فيها النقيب مسلطاً ، ولذلك نجد أن أكثر النقباء هم من الناسبة لأن مادونوه إنما هو في دائرة وحدود بلدانهم . ثم أصبحت بعد ذلك مرجعاً للنسابين .
من هنا نعرف إن لقب ( نقيب ) معناه وجود تنظيم للسادة الأشراف وتتبع لمشجراتهم وأنسابهم في البحرين ، وهذه المعلومات توجد عند النقيب الذي ينقب عن أنساب الأشراف وربما ينفي أيضاً لمعرفته وإطلاعه ، وعلى هذا الأساس فوجود نقيب للسادة الأشراف في البحرين معناه وجود حصيلة معتد بها للسادة الأشراف في البحرين في ذلك القرن .

المحور الثاني : التعرف على شخصية النقيب وهويته :

حينما حاولت البحث عن شخصية نقيب الأشراف البحراني هذا وبدأت أفتح كتب الأنساب المعاصرة والقريبة حتى بحثت فيما يقارب من خمسة عشر مصدراً تعنى بهذا اللون من التراجم فإنني لم أفلح في الوقوف على ما يكشف لنا شخصية هذا النقيب فعمدت لمسألة جمع القرائن التي لا تكشف عن الأمر مطلقاً ولكن بشكل كبير ، على أنني آمل في يوم ما أن أوفق للوقوف على مصدر آخر أو قد يقوم باحث آخر باستكشاف هذه الحقيقة بشكل أكبر فتتكامل المعرفة التي نرجوها . وكانت المعطيات التي بين يدي هي : [السيد علي أبو الحسن ، نقيب البحرين ابن السيد ماجد بن محمد العبدلي الرفاعي البحراني المتوفى سنة 848 للهجرة ] وفيما يدور ضمن حدسي حول هذه الشخصية هو :
1- أن هذا السيد الجليل هو عالم دين لأن عادة التأليف للكتب لا تكون إلا من هذا الصنف من الناس ، سيما وأنه شئ تخصصي ، وانصراف عوام الناس عن الكتابة والتأليف في هذه الأزمنة فضلاً عن تلك الأزمنة .
2- كلمة (العبدلي) كلمة جديرة بالوقوف والتأمل لو نظرنا لها في علمي النسب ، والجغرافيا ، لأن اللقب يحتمل أن يأتي من هذين المدخلين ، ولأنها أطلقت على بعض المناطق كما هو الحال في الكويت ، والأردن في عمان ، وربما في بعض مناطق المملكة العربية السعودية ، إلا أن شيئاً من هذه التسميات المكانية لايخدم بحثنا لأن التاريخ الذي دون مع إسم هذه الشخصية متقدم على عبدلي الكويت ، وعبدلي الأردن ، وبعد التقصي هو متقدم على عبدلي ( السعودية ) فهنا نطمئن إلى أن لقب العبدلي الوارد مع إسم هذه الشخصية لا يشير إلى إسم مكان لوفور القرائن على ذلك . بقي النسب ، ومما نلاحظ أن العبدلي أطلقت على غير الهاشميين وهم خارجون عن بحثنا ولا يفيدنا التقصي كثيراً لأننا لا نريد أن يتشعب البحث ولذلك سنقتصر على الهاشميين الذين لقبوا بالعبدلي . وهي تنطبق على غصنين هاشميين :
الأول : العبادلة الذين ينتهون إلى الشريف عبد الله _ وهو سبب تسميتهم بالعبادلة _ الحسني الذي ينتهي نسبه إلى موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ، كان أمير مكة في العام 1040هـ ، وتمم بناء الكعبة ، ثم عزل نفسة من الإمرة لولده محمد وتوفي في العاشر من جمادى 1041هـ ، من عقبه تسعة أولاد ، والمعقبون منهم ستة ، وذراريهم المنتشرون في مكة ، والطائف ، ومصر ، والأردن ، والشام ، والعراق ، ومنهم ملوك العراق سابقاً ، وملوك الأردن حالياً . وبلا شك فإن صاحب الترجمة لا ينتمي لهذه السلالة لأنه متقدم ، ولقب العبدلي متأخر ، فكيف يأخذ المتقدم لقب المتأخر فلا شك في عدم انتمائه لهذه السلالة .
وللحديث بقية
بشار العالي البحراني

الاثنين، 27 ديسمبر 2010

وداعاً أبا رضا


مرثية الشيخ محمد جابر الحجري (قدس سره)

رثاء الأخ العزيز الشيخ محمد جابر الحجري
هذه القصيدة في رثاء الأخ العزيز فقيد المنابر الحسينية الشيخ محمد جابر هلال الحجري الذي غيبه الموت بعد صراع مرير مع المرض ، وكان الفقيد أخاً مخلصاً صحبني وصحبته في الحل والسفر ، من تلامذة المرحوم أستاذي المقدّس الشيخ أحمد مال الله (قدس سره) ، إمتاز بشجاء الصوت وحسن الأداء في منبره ، كان تحصيله العلمي في البحرين لدى فضلائها ، خدم المنبر قرابة خمسة وعشرين عاما ،توفي في شوال 1431هـ ودفن في مقبرة الحجر ، وقد ألقيت هذه القصيدة على قبره في ختام فاتحته ( قدس الله روحه ونور بالحسين ضريحه )

***
تغرورقُ اليومَ حزناً مقلةُ الحجرِ* على فقيدٍ ثوى في تربةِ الحجرِ

مابُلَّ قبرٌ لهُ إلا بأدمعنا* لماهَمَت جزعاً تبكيهِ كالمطرِ

ياراحلاً نحنُ عنك الراحلون وفي* زفيرِنا حرقةٌ من أعمقِ الكدرِ

غادرتنا كي تكون الحيَ في زمنٍ * نعودُ موتى بهِ في غابرِ السيرِ

مابالُ عينكَ ذُبلى وهي ترمقُنا *مذ غالها المرضُ المفضي إلى السفرِ

أم كيفَ عن وردتي خديك ساغَ لنا* وِردٌ وريحك روح الورد والزهرِ

أين ابتسامتك الملأى ببهجتِها* وارى محاسنَها تربٌ عن النظرِ

أم نبرةٌ من حنان الصوت جُدتَ بها* على محبيكَ غابَتْ دونَما أثرِ

إلا الصدى في قلوب الناسِ يحفرُها* حفراً على رغم سكنى اللحد والحفرِ

هذا أنينُك مازالت صواعقُهُ* على القلوب لهيباً أيَّ مستعرِ

فالأربعون اْنطوت ولهى لبارئها* طيَ السجلِّ بكفّ الموتِ والقدرِ
أخي فقدتُك ذخراً كنتُ أحسبُهُ* في النائباتِ يقيني سطوةَ الخطرِ

واليوم أصبحَ دمعي أي منهمرٍ* حزناً وأصبحَ ظهري أي منكسرِ

فيا أُخيَّ وداعاً ملؤهُ ألمٌ* أخفيتُهُ فأبى يبقى كمستترِ

ففاضَ دمعاً وأناتٍ تقاذفُها* أمواجُ فقدِكَ ما إنْ عشتُ من عُمري

أبا (الرضا) كلُ شئٍ منك أذكرُهُ* أغفو فتوقظني الآهاتُ في الصورِ

أبا (الرضا) هذه الأعوادُ نادبةٌ* لمّا أُصيبَتْ بكسرٍ غيرِ منجبرِ

تبكي لفارسِها لمّا ترجَّلَ عنْ* عليائِهِ ورقى نداً إلى القمرِ

يامخلصاً لحسينٍ في مودتِهِ* حتى ملأت كيانَ السمعِ والبصرِ

طوبى لأنك جاورت النبيَ بهِ*(بالفوز في زمرة من أفضل الزمرِ)

طوبى لأنك جاوَرت الوصيَ وكمْ* أهداكَ من تحفٍ لاحت كما الدررِ

طوبى لأنك جاورت البتولَ وقد* ألقت عليك رداءاً غيرَ منحصرِ

هو الشفاعةُ في الأخرى لشيعتِها* والناس في محشرٍ كالسيل منحدرِ

طوبى بقرب كريم الآل تنظره* وهو الكريم الذي قد جاد للبشرِ

طوبى لأنك في سلك الحسينِ وقد* وفقت في خدمةٍ محمودةِ الثمرِ

حتى انتظمت بسلك الخالدين بنا* مجداً كما تُنظمُ الآياتُ في السورِ

تلقي الرثاءَ شجيَ الصوت تسمعُهُ* منك الملائكُ حينَ الفجر والسحرِ

واليت آل رسول الله محتسباً* وكنت ممن تبروا منه أي بري

سعيت في خدمة الإخوان ما اتسعتْ* منك الأكف بلا سأم ولا ضجرِ

حتى كُتبت حميدَ الذكر قد ختمتْ* بك المآثرُ في تاريخها العطرِ
9شوال 1431هـ

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

رحيل الشيخ محمد علي العكري

ورحل الشيخ العكري
رجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


في يوم الجمعة الموافق 18 من محرم الحرام 1432هـ ، الموافق 24 ديسمبر 2010م ، أعلن نبأ وفاة الشيخ محمد علي العكري ، أحد الرجالات الذين ساهموا في النشاط الديني الملحوظ في الفترة بين السبعينات والثمانينات ، وقد كان سبباً لتدين الكثير من الشباب وهنا محاولة لترجمته بما توفر لدي من معلومات :

1- إسمه ونسبه :
هو الشيخ (محمد علي) بن ملا منصور بن محمد بن منصور العكري ، وقد رأيت له في بعض مخطوطاته يكتب إسمه هكذا ( محمد علي جعفر مهدي ) بن الحاج منصور العكري ، وهو إضافة منه _ رحمه الله _ حيث كان محباً لأسماء أهل البيت صلوات الله عليهم ويرغب في إضافتها لإسمه ، والله تعالى العالم ، أصل هذه الأسرة من قرية العكر ولذلك التصق اللقب بهم حتى بعد انتقال والده المرحوم الملا منصور إلى قرية الديه واستيطانه فيها فأصل هذه الأسرة من قرية العكر ، وكانت الديه سكناً ومنشأ لشخصية صاحب الترجمة .
2- والده :
والد الشيخ شخصية لها ارتباط بالجو الديني وهو الملا منصور بن محمد العكري خطيب ، وشاعر معروف وله ديوان هم المرحوم الملا محمد علي الناصري بطباعته ، ولم يطبع لليوم لضياعه وقد عثر عليه مؤخراً وهو يضم لوناً جيداً من الشعر الشعبي الحسيني ، كان والده أحد أشهر قارئي المنتخب للطريحي ، امتهن الفلاحة وصيد السمك فترة من حياته ولازم الخطابة سنوات من عمره وقرأ في الكثير من قرى البحرين، وترك الخطابة قبل وفاته بعشرين أو خمس وعشرين عاماً ، مؤسس حسينية العكري في الديه ، وأحد قارئي المراثي والمدائح في الأعراس وله فيها أطوار خاصة حدثني عنها بعض كبار السن والشيخ الفقيد أيضاً ، توفي الملا منصور في 30 أكتوبر 1984م الموافق ، 6 صفر 1405هـ عن عمر يناهز الخامسة والتسعين وله خمسة أولاد ، وأربع بنات . منهن معلّمة القرآن الحاجة فاطمة بنت ملا منصور ، وقد امتهن من أولاده اثنان مهنة الخطابة وتتلمذا على أبيهما وهما ( صاحب الترجمة ) وأخوه الأكبر ( ملا حسن ) وهو والد الناشط الحقوقي عبد النبي العكري .
3- ولادته :
ولد الشيخ محمد علي العكري في العام 1941م ، في حدود العام 1360هـ تقريباً ، في قرية الديه حيث سكنى والده في بيت متدين عرف عنه انتماؤه للحسين عليه السلام والحسينية ، وبالخصوص في جوار حسينية ( العكري في الديه ) التي أسسها والده في نهاية الستينات ، مما وفر لنشوء شخصيته في جو ديني ملتزم ظهر أثره على الولد فيما بعد .
4- تحصيله العلمي :
بدأ حياته العلمية بقراءة القرآن وتعلمه ، وتعلم الخطابة أيضاً على يد والده بأساليبها وطرقها ( التصنّع ) ولازم والده لسنوات ، ثم توجه للعمل حيث كان يعمل في وزارة الصحة بجانب توجهه لطلب العلم ، والجدير ان الشيخ يجيد اللغة الإنجليزية وقد أفاد منها في تبليغه ، وقد دأب على تحصيله في مدرسة الشيخ عبد الحسن عند بعض مشايخها لسنوات ، وفي حدود إطلاعي لم يرتبط بحوزة النجف الأشرف أو قم المقدسة في تلك الفترة _ والله تعالى العالم _ كما أن الشيخ رحمة الله عليه كان متواضعاً من الناحية العلمية والتحصيل ، إلا أنه يمتلك إطلاعاً لا بأس به في الدين ، رأيت له مراسلات لعلماء النجف في استفتاءات للبحرين تعنى بالشأن الإجتماعي وشؤون الناس والموظفين ، ومسائل ابتلائية من السبعينات .

5- وكان خطيباً :
وكان رحمة الله عليه خطيباً بارعاً ، إلا أنه لم يهتم بجانب الخطابة في حياته كثيراً ولم يوله إهتماماً بسبب انشغالاته الكثيرة ، وقد استمعت إليه وهو يملك صوتاً شجياً وطرقاً في الخطابة قديمة مندثرة كطريقة ( النهامة )، حكى لي أكثر من واحد ان والده كان يدأب على قراءتها وأما موضوعاته ومحاضراته فقد كان يسلط فيها الضوء على الأمور الإجتماعية ، فكانت مجالسه ومحاضراته مفيدة لا تخلو من توجيه النقد السياسي والإجتماعي .

6- إمام في الجمعة والجماعة :

دأب الشيخ على إمامة الجماعة لسنوات في قرية الديه في بعض مساجدها ، ولكنه بجانب ذلك كان إماماً للجمعة أيضاً في مسجد الشيخ درويش في الدراز لسنوات ، وكان يقيمها على رأي الشيخ يوسف العصفور الذي لا يشترط إجتهاد وفقاهة الإمام في الجمعة ، ورغم قلة الحضور عنده فقد لا يتجاوزون أصابع اليدين _ اي بأدنى ماتنعقد به صلاة الجمعة _ فكان يأتي بشروطها ، إلا أنه لكثرة احتياطاته كان يعيد الصلاة ويأمر من معه بالإعادة ، وكانت خطبه حماسية وملتهبة ثم انقطع في فترة الأحداث وبعد عودة الشيخ عيسى أحمد قاسم للدراز إماماً للجمعة

7- نشاطه في التبليغ الديني :
كان عطاء هذا الرجل في مجال التبليغ الديني بلا حدود فقد أوقف نفسه وماله ووقته في تبليغ الدين ونصح المؤمنين فجزاه الله خير الجزاء ، ويمكن ان نلخص دوره الريادي في مجتمع متواضع وبسيط وبقدرات متواضعة ، قد أنتجت وأثمرت جيلاً يحفظ الدين متديناً متمسكاً بأهل البيت عليهم السلام ، حتى على صعيد العمل المؤسساتي .
لقد كان الشيخ بمفرده مؤسسة متنقلة للتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مارس هذه الشعيرة على كل الأصعدة في المجتمع فتراه في القرية ينصح هذا ويأمر تلك المرأة بالحجاب ، ويدعو للطاعات وبحسب إطلاعي الشخصي وسؤال بعض معارف الشيخ والمقربين منه فقد كان شعلة نشاط في الحفاظ على الجو الديني ويمكننا أن نلخص دوره في التبليغ في عدة نقاط :
1- التحرك الشخصي للقضاء على بؤر الإنحراف في قرية الديه وبعض المناطق المجاورة بالنصح والإصلاح والتدخل ولو كلفه ذلك إهانات الناس له ، وقد تعرض للإيذاء ودخول مراكز الشرطة مراراً بسبب توجهه للقضاء على الإنحراف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد أثمر هذا الجهد الكثير وهو مخزون في ذاكرة الكثير من فتيات البحرين وشبابهم من الأجيال المعاصرة له . وله يد وباع في دحر جماعة ممن دأب على الترويج للمخدرات وهدم شباب القرى فكانت بينه وبينهم مواجهات مشهودة . ولم يأل جهداً في توعيتهم ونصحهم حتى أدى دوراً في هذا المجال.
2- التعليم الديني في قرية الديه وبعض القرى ، لقد ركز الشيخ على ضرورة تثقيف الشباب وتوجيههم وربطهم بالدين عبر الدروس التي كان يهيئ لها وبالخصوص للفتيات الصغيرات حيث أعانته في ذلك بعض بناته جزاهم الله خير الجزاء ، واهتم بتعليم الصغار الدين وتلقينهم مبادئه ، ودروس تعليم الصلاة ، مازالت عالقة في أذهان الكثيرين حيث كان معلم الصلاة لهم هو سماحة الشيخ رحمه الله ، وكان نشاطه التبليغي قد بلغ ذروته في المنتصف من الستينات والسبعينات ، والثمانينات .
3- مقاومة المد والفكر الشيوعي في السبعينات ، ولقد كان له دوراً رحمة الله عليه في مواجهة النشاط الشيوعي والأفكار الإلحادية التي انتشرت في أوساط الشباب في تلك الفترة ، فكان يلقي المحاضرات ويتخذ من منبره سلاحاً لمواجهة تلك الأفكار الملحدة التي انتشرت تلك الفترة في بعض الأوساط في البحرين
4- تأسيس (الجمعية الحسينية التعاونية ) في قرية الديه ، في مبنى الحسينية المعروفة بمأتم العكري ، مارس خلالها نشر الوعي الديني في أوساط الشباب حيث كان يؤمها الكثير منهم يتلقون المعارف الدينية من فقه وسيرة وتفسير ودروس في العقيدة وكان بها جماعة من المدرسين . ومن أهداف الجمعية بجانب نشر الفكر الديني ، جمع الأموال والتبرعات لغير القادرين على الزواج وقد ساهم بدعم الكثيرين في هذا المجال . وقد جاء في بعض المنشورات التي كانت توزع في العام 1975م مايلي كإعلان مانصّه : [ الجمعية التعاونية الإسلامية الحسينية ، لنشر المعارف الإسلامية وإقامة الشعائر الحسينية وإحياء الحفلات الدينية والقيام بالأعمال الخيرية ،تعتمد جمعيتكم هذه على تعاونكم معها مادياً ومعنوياً في منطقتكم هذه ( جدحفص والسنابس والديه )وتهيب بالمسلمين جميعاً في القرى وخارج البحرين للتعاون معها مادياً ومعنوياً .

* تزاول القيام بأعمالها ابتداءاً من أول شهر رمضان المبارك بتلاوة القرآن المجيد ونشر المواعظ والإرشاد والقراءة الحسينية وستستمر بعد شهر رمضان المبارك مباشرة في تدريس القرآن الكريم وتعليم المعارف الإسلامية الضرورية وتعليم الصلاة اليومية والأمور المهمة وتقوم بأعمالها الأخرى إن شاء الله تعالى .

* تستلم التبرعات لها والإشتراكات الشهرية وتعطى وصولات استلام ممن يعينهم القائمون على خدمتها والإشراف عليها ،

* من القائمين على خدمتها والمشرف عليها خصوصاً ( محمد علي الحاج منصور العكري )

* تهيب الجمعية بكم وكلها ثقة ان تدفعوا تبرعاتكم واشتراكاتكم إلى المختصين دون الحاجة إلى التجوال على البيوت والحوانيت ]

خادم الإسلام الحنيف وأهل البيت المطهرين (ع)

محمد علي الحاج منصور العكري
5- تأسيس جمعية _ أخرى _ مختصة بشؤون الزواج والتزويج ، حيث كان من المحرضين على الزواج لمكافحة انحراف الشباب ، ولم أستطع معرفة كون هذه الجمعية قد مارست دورها أم لا وهل أُشهرت أم لم تشهر والله تعالى العالم .
6- إصدار المنشورات وتوزيعها يذكر فيها أفكاره ودفاعه عن الدين ، ويحث فيها الناس على الخير ونبذ بعض الظواهر الإجتماعية الخاطئة .
وكثيراً مايستوقف الناس منظر ذلك الشيخ الذي يعتمر العمامة الكبيرة الحجم على غير الحجم العادي ويدلي بحنكها ويمسك بيده العصا ، تراه في الأسواق ، والمقابر ، وأي تجمع يخطر على بالك ليلقي كلمة أمر بمعروف وينهى عن منكر ذلك هو ( العكري )

8- النشاط السياسي للشيخ العكري :

كل من يعرف الشيخ عن قرب يعلم يقيناً أن الشيخ ليس منتمياً سياسياً لجهة معينة بقدر ماهو ناقم بشدة على تردي الوضع السياسي والذي يصحبه تردي الوضع الإجتماعي وانتشار الإنحراف فكان يلقي الخطب الحماسية الداعية للتصدي لموجة الإنحراف رابطاً لها بالسياسة ، كما كان يذهب لرأس السلطة السياسية كالأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان ويكلمه عن الكثير من التجاوزات والأخطاء التي كان يراها في المجتمع ، وكان معروفاً لدى رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان حيث كان يحضر إلى مجلسه ولا يخلو حضوره من قضاء حوائج المؤمنين وإيصال الرسائل وبعض المطالبات للسلطة ، وأما مشواره السياسي فقد كان أشهر من أن يذكر حيث تم إعتقاله في الفترة بين ( 1980 م _ 1984م ) حيث كانت البحرين تعيش فترة احتقان أمن الدولة ،وقد قاد الشيخ رحمة الله عليه حركةً سياسية في العام 1979، من خلال ندوة جماهيرية كبرى في قرية الديه، مع الشيخ علي العصفور، وطرح من خلالها عدة مطالب سياسية واجتماعية، ودخل على إثرها بتنسيق مع العلماء للمطالبة بتصحيح الأوضاع العامة وإيجاد حل لمشكلة البطالة والغلاء، وعلى إثر تحركه آنذاك اعتقل في العام 1980 وطبق عليه قانون أمن الدولة، وبقي في المعتقل لأكثر من 50 شهراً. ونقل لي الكثير ممن عاصره في سجن ( جدا ) حيث قضى فترة اعتقاله ، أنه كان شديد الكلمة ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، حتى ان الشرطة يعاملونه معاملة خاصة وتكون أبواب السجن أمامه مفتوحة إتقاءاً من لسانه وجرأته ، في فترة التسعينات كان الشيخ أحد الوجوه الفاعلة وقد تعرض للكثير من الإيذاء ، وقد رأيته يتحرك على الكثير من العرائض الشعبية التي يحرص على إيصالها بنفسه للحكومة وأمير البلاد في ذلك الوقت ، ورغم كون أكثرها لا يصل فمع ذلك كان الشيخ يقوم بدوره ، ذكرني بقصة أبي ذر الغفاري رحمة الله عليه . كما أن وجه الشيخ كان مألوفاً في اكثر التجمعات السياسية منذ الثمانينات على رغم تكرار سجنه وإطلاقه ، ففي اكثر التجمعات في مسجد مؤمن كان أحد الوجوه المعتاد رؤيتها وكذلك في التسعينات

9- مؤلفات وكتابات :
لم يهتم الشيخ كثيراً بالتأليف إلا أنه قام بجمع بعض المسائل الفقهية بشكل إعداد لها وما وجدته له رحمة الله عليه
- ( رسالة الصلاة ) وهي بمثابة رسالة عملية لمقلدي الشيخ يوسف العصفور ، حيث كان الشيخ رحمة الله عليه ينتهج المسلك الأخباري ومن المتشددين فيه ، جمع الرسالة وقام بمراجعتها الشيخ سليمان المدني والشيخ علي المخلوق وغيرهم وطبعت في البحرين العام 1990م الموافق 1410هـ ، وكان قد وضعها كمنهج دراسي للمرحلتين الإعدادية والثانوية . رغم كونه قد كلفه في طباعته ستة آلاف دينار أصبحت ديناً عليه فيما بعد وقد قام بتوزيع الكتاب مجاناً . والجدير بالذكر ان الشيخ قد كتب في خاتمة الكتاب بعض العبائر التي انتقد فيها المدرسة الأصولية مما أثار حفيظة الكثير من العلماء ، وقد انتقد هذا الأمر المرجع الخوئي قدس الله روحه .
- ( موجز رسالة الصلاة ) وهو مختصر للسابق وهو على ضوء فتاوى الشيخ يوسف رحمة الله عليه راجعه الشيخ سليمان المدني رحمه الله ، وقد وضعه للمرحلة الإبتدائة فيه بعض مقدمة عن أصول الدين ، وكانت هذه الأمور في تلك المرحلة تؤدي دوراً كبيراً في المجتمع .

- كتاب ( البشرى لمن يريد الذكرى ) ويحتوي على مقدمة موجزة في أصول الدين ، ومجمل أحكام الطهارة والصلاة وأحكامها ومستحباتها مجملة على آراء المشايخ الثلاثة الذين يرجع لهم أهل البحرين من الأخباريين وهم الشيخ يوسف والشيخ حسين والشيخ عبد الله ، وكلها مسائل ابتلائية قام بتحقيقه والتعليق عليه الشيخ علي العصفور ، ومضموم إليه أيضاً ( المسائل الدهلكية ) 32 مسألة ، للشيخ حسين العلامة ، وكذلك كتاب ( مسائل مختلفة ) وهو مجموعة فتاوى للشيخ حسين قدرها 10 مسائل ، والكتاب مطبوع في العام 1975م في مطبعة بيروز / قم المقدسة ، وفي ختامه إجازة استلام حقوق من الشيخ زين الدين (قدس سره)

10- مميزات من شخصية الشيخ :
لقد حاولت أن أقف على هذه الشخصية مؤبناً لها بهذه الكلمات المتواضعة أمام العطاء اللا محدود وأذكر من مميزات شخصيته رحمة الله عليه :
1- الجرأة ، وهي عنصر افتقدته الكثير من الشخصيات المجتمعية وساهم فقدان هذه الخصلة على أن يدب الوهن ، وبلا شك ندعو لجرأة موزونة عاقلة ، فنحن نتعلم من الشيخ هذه المسألة لقد كان جريئاً على التفوه بكلمة الحق ونقد المجتمع بدون تردد .
2- النفس الطويل ، كان يمتلك نفساً طويلاً في العمل الرسالي وقد افتقدت البحرين وكل المشاريع هذه الميزة فترى الكثير من المشاريع تعلن عن فشلها منذ البداية بسبب عدم وجود النفس الطويل في العمل والتخطيط . فرغم المحبطات ورغم اليأس رأيت الشيخ منتجاً ، ورغم نظرات الإستهزاء تراه يزأر ويواجه الناس بكلمته ويقولها مهما كلفه الثمن .
3- يلقن الناس المبادئ ، مع الكبير ومع الصغير كان رحمة الله عليه مثالاً حياً لقوله تعالى ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) وكأنه ، حمل على عاتقه توجيه المجتمع ، وربما يقول البعض هل اثر الشيخ العكري أم لم يؤثر بأسلوبه ، فأقول لقد أثر والله ، فجزاه الله خير الجزاء .

11- نص إجازة الشيخ محمد أمين للشيخ العكري:

هذا نص إجازة آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين للشيخ العكري في استلام الحقوق ننقلها كاملة : [ بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد النبيين محمد وآله المطهرين وبعد ، فقد أجزت حضرة الكامل المهذب الخطيب الأديب الحاج محمد علي بن الحاج منصور العكري البحراني حفظه الله ووفقه ، أن يقبض من حق الإمام عليه وعلى آبائه الطاهرين أفضل الصلاة والسلام مقدار حاجته مما يسد به مؤنته ومؤنة عياله ويعينه على مهمته من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتثبيت عقائد الضعفاء وإرشادهم إلى مناهج الإسلام وتعريفهم محاسنه وأحكامه ، شدّ الله أزره وكثّر في المؤمنين من أمثاله ، وأوصيه بتقوى الله والأخذ بالإحتياط ، وأوصي إخواني المؤمنين باحترامه وإعانته على اداء مهمته وفقهم الله جميعاً لما يحب ويرضى والسلام عليه وعليكم ورحمة الله وبركاته حرره في 5 جمادى الثانية سنة 1394هـ الفقير إليه تعالى محمد أمين زين الدين / الختم الشريف ] ، وتاريخها بالميلادي25 / يونيو / 1974م .
12- وفاته :
بعد عمر مديد بالعطاء وبعد صراع مع المرض لازم الشيخ الفراش منذ العام 2007م تقريباً ، وقد اهتم رئيس الوزراء بحالته وعرض على عائلته علاجه في الخارج كما سمعت بذلك ، إلا ان الله قد اختار أمانته فجر الجمعة وشيع الشيخ في ظهر الجمعة تشييعاً مهيباً شارك فيه المئات من محبيه وصلى عليه العلامة الشيخ محمد صالح الربيعي ، ودفن في مقبرة جدحفص المعروفة بمقبرة الإمام ، 24 ديسمبر 2010م الثامن عشر من المحرم 1432هـ ، فرحمة الله عليك أيها الشيخ العامل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وجزاك الله عن البحرين وأهلها خير الجزاء .

13- قالوا في حقه :

هنا أنقل كلمتين مهمتين مدونتين من جريدة الوسط عن شخصيتين عاشتا مع الشيخ العكري سنوات المحنة وشاطراه العمل في ساحة البحرين فترة السبعينات والثمانينات إلى جانب الكوادر البحرانية وهاتان الشخصيتان غنيتان عن التعريف وهما :

سماحة الشيخ عيسى أحمد قاسم _ حفظه الله _ حيث يقول : [ لاحول ولا قوة إلا بالله العظيم، الشيخ رحمه الله رجل عرفته الساحة، رجل أمر بالمعروف ناهياً عن المنكر، مستميتاً في ذلك، شديد الغيرة في دين الله، له إرادة صلبة وقوية ويتمتع بدرجة عالية من الجرأة والإقدام، ويخوض معاركه الإيمانية بكل ثقة واطمئنان، لخلفية ثابتة كانت عنده، هدفها قيمة الإسلام والدور الدعوي ودور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك يعد افتقاد الساحة له افتقاد رجل صنّاع ورجل كبير ورجل تغيير في الحدود التي كان يستطيع بها ] . وقال عنه السيد عبد الله الغريفي_ حفظه الله مانصّه : [ فقدنا شخصاً كان يشكّل تاريخاً من العمل والجهاد والعطاء والمواقف الصلبة في سبيل إيصال كلمة الحق والدفاع ومواجهة الفساد ومواجهة المنكر، وكان قوياً في ذات الله، كان صلباً في ذات الله فيما يعتقد أنه حق، وأنه في دفاع عن الإسلام وعن قيم الدين، كان لا يجامل ولا يساوم، كان جريئاً، كان صلب المواقف، كان شديد الوطأة على المنكر وعلى الفساد، وكان مخلصاً للمبادئ التي آمن بأنها تمثل الحق ومبادئ الدين والإسلام في محاربة الفساد، القضية التي آمن بها وكان متحركا دائماً، كان لا يسمح لنفسه أن يستريح إلا قليلاً، كان يخدم الناس، كان له دور اجتماعي وله حضور إسلامي وحضور اجتماعي، حشره الله مع النبيين والصديقين ] .

وهكذا رحل الشيخ العكري وترك تاريخاً ناصعاً في صفحات البحرين دونه بجهاده ومواقفه وحاشا لهذه الأرض أن تنسى هذا الإبن البار بها وبأهلها فجزاك الله ياشيخ عن البحرين وأهلها خير الجزاء
وكتب بيده بشار العالي البحراني
18 محرم 1432هـ